عالم الأزمة: أن نفكّر «وسط الأشياء»

«أنا، صراحة، أرى موقفه تعبيراً عن ماركسية أكاديمية منحطّة، ماركسية تتخيّل نفسها واقفة فوق برجٍ عاجيٍّ ما، تراقب العالم من موقعٍ محظيّ وتفهم البنى العميقة للتاريخ»آدم توز عن بيري أندرسون

«ولكن، في عالمنا اليوم، يجوز أن نطرح السؤال: كم يختلف هذا (موقف آدم توز) عن فكرة أن تركض مع الأرنب فيما أنت تصطاد مع الكلاب - تحمل تعاطفاً آسفاً تجاه الأرنب، وتشهق إعجاباً بقدرة الكلاب؟»بيري أندرسون عن آدم توز

أتابع المؤرّخ الاقتصادي آدم توز منذ زمنٍ، وقد اقتبست عنه وكتبت مراراً. كنت أحبّ كتاباته قبل أن يكتشفه التيار السائد، وأحببته أقلّ حين اشتهر وأصبح - لبرهةٍ - «ظاهرة»، تتابع وسائل الإعلام تعليقاته ويقرأه أناسٌ من اختصاصات وأجواءٍ مختلفة. ثمّ عدت لمتابعته بعد أن استدارت ضدّه النخب والإعلام وكرهوه بسبب مواقفه الأخيرة - بالأخص تجاه الصّين. عدا عن أنّ توز يستخدم منهجية مثيرة في سرد الأحداث والحجج، يمتزج فيها البحث التاريخي مع الاقتصادي والإحصائي، إلا أنّه أيضاً من أولئك الأكاديميين النشطين الذين تخدمهم غزارتهم. ينشر كتباً كثيرة (وفي مواضيع بحثية تحتاج إلى إحاطة واسعة، كاقتصاد ألمانيا النازية مثلاً، أو الأزمة المالية العالميّة)، ويكتب مقالاتٍ دورياً في مجلاتٍ وصحف، ويعلّق بكثافةٍ وإسهاب على الأخبار الاقتصادية من منصات التواصل الاجتماعي وفي نشرةٍ له على الإنترنت. وهو في الوقت نفسه يدرّس في كولومبيا ويخرّج طلاباً ومريدين. من الواضح أنّه إنسانٌ بلا هوايات (في ردّه على أندرسون، انتقد توز المفكرين الذين يقومون باستمرار باستعادة اللحظات التاريخية والثورية الكبرى و«إعادة تمثيلها» - «ماذا يجب أن نفعل لو كنا في سنة 1924؟» - مشبّهاً إياهم بالناس الذين يلعبون «أموراً صبيانية» على الكمبيوتر - وأنا بصراحة لم يعجبني التشبيه).

نشر آدم توز، يوم عيد الميلاد الفائت، مقابلةً طويلة كان قد أجراها منذ أشهر مع مجلّة «شانغهاي ريفيو أوف بوكس» (أنا أيضاً لم أكن أعرف بوجودها قبل هذا)، وقد لفت فيها أنّه قدّم ردّاً على نقد بيري أندرسون له قبل أكثر من سنة، حين راجع عدداً من كتب توز في «نيو ليفت ريفيو». وقتها، اتهم المؤرخ البريطاني مواطنه توز بأن تأريخه (على أهميته وسعته) فيه مشكلة أنه ينطلق على الدوام من «اللحظة الراهنة» التي يجري فيها الحدث: وقعت الأزمة المالية، انهارت المصارف، تدخّلت إدارة أوباما، و«استنبط» مسؤولو البنك الفدرالي أدوات مالية جديدة لوقف الانهيار، تمدّدت هذه المنظومة الإنقاذية إلى أوروبا، اكتشفنا أنّ المال هو مجرّد وحدة حسابيّة، إلخ. هذا النمط من السّرد يظلّ - بحسب بيري أندرسون - على مستوى السطح، ولا يلتفت إلى العوامل البنيوية التي «تحرّك التاريخ»، مثل الإمبريالية والرأسمالية (وهي ما يسمح، يقول أندرسون، بأن تطبع الولايات المتحدة الدولار بحريّة وأن تهندس حلولاً لأزماتها بشكلٍ لا تقدر عليه الدول الأخرى، وهي تجعل ما يجري في الشرق الأوسط يؤثّر على قيمة الأمور في وول ستريت). هذا النمط من التحليل، «التكتيكي» و«الموقعي» بتسمية أندرسون، هو بمثابة انعكاس لسياسة توز وأيديولوجيته، وتوز يصف نفسه بأنه «يساري-ليبرالي» (يقول أندرسون إنّ توز هو حقّاً كذلك، ولكنّ علامة الوصل هنا بين الوصفين غامضة، إذ من الصعب أن تعرف أيّاً منهما يطغى على الآخر). تحليل الأحداث «بالقطعة» (ad hoc) يعطيك الفرصة لأن تتجنّب الأحكام القطعيّة، وأن تتجنّب الجذريّة وتتعامل مع المنظومة الموجودة بـ«واقعية»، فأنت تفكّر هنا دوماً - بتعبير بيري أندرسون - «وسط الأشياء» (media res).

هذه الحرب، إن غيّرت فينا شيئاً كأفراد، فهو أنّها قد جعلتنا أقلّ قدرةً على الممالأة، وعلى احتمال ما لا نريد. والأساس هو أنّ أكثر الأسباب قد انتفت لكي تستمرّ بقبول ما تراه خطأً أو تصمت في حضوره، وأهمّ من ذلك كلّه أن لا تضطرّ، في أي منظومة كنت، إلى التعايش الصامت مع ما تكرهه

ردّ توز المتأخّر كان بمعنى أنّه لا يرفض اتهام أندرسون له، بل يتبنّاه ويفتخر به. مزاوداً بأنّه يرى أنّ واجب الماركسي الحقيقي أن يعيش أيضاً «وسط الأشياء»، في اللحظة الراهنة، وأن يتعامل مع القضايا الحقيقية حوله والتي يختبرها مباشرة؛ لا أن يعيش صراعاً متخيلاً مع «حركة التاريخ»، أو مع بنىً نظريّة اختلقها مثقفون. ثمّ تكلّم عن موقفه السياسي في ما يشبه مرافعة مطوّلة عن فكرة «أن تعمل من داخل المنظومة»، مشيراً إلى أنّ أفكاره، مثلاً، قد أسهمت في تشكيل حزمة بايدن الإنقاذية الثانية (عام 2021). هذا النوع من الانخراط «الواقعي» - مع الأسئلة الراهنة، مع صنّاع القرار، ومع الإعلام - يعتبره توز فعلاً سياسياً حقيقياً، بل و«جذرياً»، على عكس موقف أندرسون المتعالي.

البنية الزائفة

سوف نعود إلى هذا الحوار بين المفكرين البريطانيين ولكن الهدف هنا هو أن نركّز على مفهومٍ محدّد يستخدمه توز بكثرة لتفسير «حالة العالم». I`h التعبير هو «الأزمة المتعدّدة» أو «الأزمة المتشعّبة» (polycrisis)، أي حين لا يكون العالم، كما في القرن العشرين، يواجه أزمة معيّنة داهمة (أزمة نفط، أزمة ركود، حربٌ في فييتنام، إلخ)، بل أن تكون هناك باستمرارٍ عدّة أزماتٍ «كبيرة» تجري في الوقت نفسه (كوفيد، وأزمة مالية، وحرب أوكرانيا، وأزمة مناخية)، وأن تصبح هذه هي الحالة الاعتيادية للنظامP وهذه الأزمات تتفاعل مع بعضها البعض لتولّد تأثيراتٍ أكبر وأعقد من حجمها الأصلي.

بالنسبة إلى توز، فإن تاريخ العالم منذ قرن قد حكمته منظومة قوّة أليفة: منظومة «العصر الأميركي الأحادي القطبية» الذي ورث قيادة العالم عن الإمبراطورية البريطانية وفرض نمطه من الحداثة الرأسمالية - الليبرالية. يؤرّخ توز لأحداث العالم منذ الحرب العالمية الأولى باعتبارها قصة أميركا وهي تؤسس لهذا النظام الدولي المتمحور حولها، وتسيّره وترمّمه وتعدّله، وتعمل على حلّ أزماته. أمّا كتابه الأخير في الثلاثية، «منهار»، فهو عمّا يعتبره نهاية هذا العصر الأميركي «المستقر». أصبحت الصين فاعلاً من خارج المنظومة؛ والبيئة، والسياسة، والنظام المالي كلها تنفجر في وجوهنا بشكلٍ لا يمكن حلّه عبر الأدوات القديمة المألوفة. والفكرة هنا ليست أننا في «مرحلة انتقال» إلى منظومة جديدة بديلة (حالة توازن جديد لنظام متعدّد القطبية مثلاً، كما يتصوّر البعض)، بل إنّ هذه «الأزمة المتشعّبة» ستصبح هي ببساطة «النظام القائم» والوضع «الطبيعي» على مستوى العالم وتاريخنا اليومي.

بالمعنى النظري، ما يفعله توز يشبه تطبيق منهجيّة «ما بعد بنيوية» على فلسفة التاريخ، فهو يرفض فكرة أنّنا نجتاز «مراحل» مقرّرة سلفاً، أو أنّ هناك منطقاً عضوياً لحركة التاريخ (يموت القديم ويولد الجديد من رحمه، إلخ). بل يقول إنّ أفكارنا عن «النظام العالمي» وثوابته، عن العولمة السلسة، وعن حالة حداثةٍ تقدر فيها على مواجهة الأزمات وفقاً لمنطقٍ ومنهج يمكن التنبؤ بنتائجهما، هذه كلّها صفاتٌ لـ«حالة استثناء» هي بنت الزّمن الأميركي المنصرم، ترسّخت في أذهاننا لأن الولايات المتحدة قد تمكّنت من توليد نمطٍ كونيٍّ مهيمن من السياسة والحفاظ عليه طوال هذه السنوات - ومن الوهم أن نفترض أنها طبيعية أو أزلية، خاصّة بعد أن فات وقتها.

مفهوم «الأزمة الدائمة» و«الأزمات المتفاعلة» لن يبدو جديداً بالنسبة إلى دولنا وأهلها. بلادٌ فشلت في تحديث اقتصادها، وفي تحقيق التنمية، ولديها مشكلات سياسية واجتماعية وسكانية تتراكم، ثمّ تستحقّ فواتير الفشل هذه بشكلٍ متزامن؛ فيصبح دور النظام السياسي محصوراً في «إدارة» هذه الأزمات المتوالية، والتحكّم فيها، ومحاولة تحقيق التوازن وسط الفوضى. أنت هنا بعيدٌ جداً عن مفهوم الدولة الحداثية التي تخطّط و«ترى» وتقدر على رسم المستقبل. إن عدت إلى عناوين الصحافة اليومية لما نعتبره مراحل «ركود» واستقرار في دول المنطقة - والبعض يراها اليوم «عصراً ذهبياً» - (كولايات حسني مبارك الأخيرة في مصر أو العشرية الأولى بعد الحرب في لبنان)، فأنت لن تجد كلاماً عن جمودٍ وملل، بل أخبار متلاحقة - في كلّ المراحل - عن الأزمة الاقتصادية، وأزمة السكن، ومشكلات بنيوية لا تنتهي - واليوم هو ابن البارحة.

الفكرة هي أنّ ما يجري في لبنان وسوريا وفلسطين هذه الأيام يشبه مرحلةً جديدة، متقدّمة، من حالة «الأزمة المتشعّبة». الطريف هو أنني أتابع أخيراً باحثين من أوروبا الشرقية وأوكرانيا وجورجيا، نظراً إلى التشابهات الملفتة التي تجدها بين مجتمعات دول الأطراف: في التركيبة الطبقية المحلية، وفي تفاعلها مع بنية القوة في العالم، وفي المجتمع المدني. فإذ بي أجد بلدي وهو يتحوّل حرفياً إلى أوكرانيا: أميركا تمارس الدور ذاته هنا وهناك، السعودية والخليج في لبنان يلعبان تقريباً الدور الذي تلعبه أوروبا في أوكرانيا، ولكن عندنا - فوق ذلك - العصا العسكرية الإسرائيلية التي تشرف على هذا الزمن الجديد وتحرسه (ولكننا لن نحصل مثل الأوكران على تأشيرات دخولٍ إلى أوروبا - حتى بين دول الأطراف هناك رتب).

أوهام لبنان

يوجد في هذه اللحظات وهمان شائعان في لبنان: الأوّل هو أنّ الأمور ستعود، في نهاية الأمر، إلى انتظامها القديم (الذي لم يكن انتظاماً)، وأنّ النموذج الطائفي التحاصصي في لبنان كفيلٌ بالحدّ من أحلام أيّ طامحٍ بالهيمنة، سواء في الداخل أو الخارج. هؤلاء يعيشون بمقاييس زمنٍ مضى، أو يظنّون أن الأميركيين، حين يطبقون على بلد، سوف يتوقّفون عند أيّ حدٍّ، ولن يقرّروا في كلّ قضيّة وأصغر الشؤون، ويمسكون كلّ المفاصل - أو أن الإسرائيليين سيتوقّفون وهم يمتلكون الأفضلية العسكرية، ولن يبقوا سيفهم مُصلَتاً على أهلنا حتّى تعرف مجدّداً كيف تردّه. الوهم الثاني تجده في الاحتفاليات الانتصارية التي تعتبر أنّه، مع دخول لبنان «الشرق الأوسط الجديد» والوصاية الأميركية، تنتهي التناقضات الداخلية وأسباب الأزمة، ويستحقّ الفرح بالاستقرار القادم. الطّريف هنا هو أنّ هؤلاء «الوكلاء المحليين» يعرفون جيّداً أنّه لم يكن لهم من دورٍ في كامل العمليّة: لا هم اختاروا الشخصيات التي جاءت، ولا هم من يحمي النظام الجديد؛ بل إنّ «انتصارهم» ذاته، الذي يحتفلون به، لم يصنعوه هم بل حققته لهم إسرائيل. هؤلاء لم يتعلّموا من كلّ تاريخ منطقتنا الحديث ودروسها معنى أن يأخذك الاستقواء بالأجنبي بعيداً في الثقة، لدرجة أن تتجاهل وجود نسيجٍ محليّ حولك وموازين. إن كان هذا الوضع في رأيهم يمثّل الاستقرار، فأنا أودّ أن أفهم تعريفهم عن معنى الأزمة. أمّا عن أن هذه الاحتفاليات تجري فيما قرىً بالجنوب لا تزال محتلّة، وأهل الشهداء لا زالوا ينتظرون الجثامين، فأنا - من ناحية - لم أكن أتوقّع منهم أفضل من ذلك، ومن جهةٍ أخرى نحن في لبنان، بعد كلّ ما رأيناه، قد فقدنا قدرتنا على الشعور بالفضيحة. كلّ ما يمكنك فعله هو أن تعيش «وسط الأشياء».

الجذريّة كممارسة يوميّة

على الهامش: أنا أعرف أنّ بعض الخبثاء يتهمونني بالتشاؤم (وهم غالبية الناس من حولي). ولكني لا ألتفت إلى مثل هذه المزاعم. إن كانت الحياة قد علّمتني شيئاً فهو أنه من الأفضل كثيراً أن تكون متشائماً، ثمّ يتبيّن أنّك على خطأ، على أن تتفاءل ثم يتبيّن أنّك على خطأ. ولكنّ الأساس هو أنّ تقييم النّاس لبعضهم في مثل هذه الأمور يشبه منهجية المزايدة في «الجذرية السياسية»، والكثير من القضايا الأخرى في الحياة، وهي - باختصار - المنهجية ذاتها التي نعتمدها ونحن نقود السيارة على الطرقات: الذي هو أسرع منك مجنون والذي هو أبطأ منك حمار.هذا يعيدنا إلى النقاش بين بيري أندرسون وآدم توز، وأنا تعليقي الوحيد هنا هو ليس على المضمون. ما لا أحبّه، خاصة حين تقارن نقاشات هؤلاء بالقضايا والظروف التي نواجهها في أطراف العالم، هو قيام الأكاديميين الغربيين بتوجيه اتهامات «نقص الجذرية» و«البرج العاجي» إلى بعضهم البعض، كما فعل توز حين اتهم أندرسون بأنّه ينظّر للأمور من «موقعٍ محظيّ». فالسؤال المقابل هو: ومن أيّ موقعٍ ينظّر توز، سواء وهو في كامبردج أو ييل، أو الآن في كولومبيا، أو حين ينشر مقالاته في «فاينانشال تايمز»؟

من الخنادق وأكواخ الفقراء؟ لقد فهمت خلال حياتي في الغرب أنّه من الأفضل ألّا تحاول ادّعاء الجذريّة وأنت - موضوعياً وبنيوياً - في موقعٍ غير جذريّ، لأنّه يمكن عندها أن تتحوّل بسرعةٍ إلى مهرّج. من جهةٍ أخرى، حين يطالب توز النخب الأكاديمية بـ«النزول إلى الواقع» والانخراط فيه، فإلى أين بالضبط سوف «ينزل» هؤلاء؟ إلى طبقة النخب والحكّام كما فعل توز؟ وهذا البديهي، فهم الأقرب إليهم، وهم من يحتاج إلى علمهم وخبرتهم واستشاراتهم. أم ترى هم سينزلون إلى «الناس» والطبقات الشعبية؟ وبمَ يمكن أن ينفعوهم أصلاً؟ لعلّ أنه، مثلما تلقّف توز اتهام أندرسون له وتبنّاه، فقد لا يكون توصيف توز لأندرسون باعتباره يقطن «برجاً عاجياً» مذمّةً أو أمراً مشيناً. ضمن ظروف هؤلاء المثقفين وسياقهم، قد يكون النموذج الأفضل والأكثر «جذرية» هو أن تظلّ في برجك هذا وتتفرّغ إلى التفكير والعمل البحثيّ، وتفكّر وتبني مواقفك بدرجةٍ من الاستقلالية عن السلطة والطموح - وتترك لنا أعمالاً مفيدة نقرأها. هذا على نهج هادي العلوي، الذي ميّز بين مدّاحي السلطة وبين العلماء «المحترفين» في التاريخ الإسلامي. الصنف الثاني، كتب العلوي، كان يرتبط «عضوياً» بالسلطة وعطاياها، فلا تتوقّع منه المعارضة أو الثورة أو النضال الجذري، ولكنهم على الأقلّ قد استنكفوا عن خدمة الدولة، وأخذوا مسافةً عنها، وانصرفوا إلى أبحاثهم وأنتجوا في ميدانهم - ولم يحاولوا «الانخراط»، أو إحداث التغيير والإصلاح في قصر الخليفة «من الداخل». هكذا أرى الموضوع ببساطة، ولكن ما أدراني؟ أنا أكتب في «الأخبار».

قد لا يكون التفكير «وسط الأشياء» خياراً رجعياً بالضرورة. كما يقول توز، نحن في النهاية نختبر الأمور في اللحظة ووسط الأحداث، ومن هنا ينطلق وعينا للعالم وتحليلنا له، وهذا ليس خياراً منهجياً أو موقفاً فلسفياً، بل هو «حالة وجودية». العيش «وسط الأشياء» يجبرك على التعامل مع «الأمور الصغيرة»، التفاصيل التي قد لا تناسب السرديات الكبرى، ولكن يتبيّن أنها هي التاريخ الحقيقي. الابتعاد عن الأفكار الخلاصيّة يجعلك أقلّ قدرةً على التنازل، ويجعلك تفهم أنّ «المعارك الصغيرة» هي خيار السياسة اليومية، لا «القضايا الكبرى».

أجد نفسي، والعديد من حولي، نردّد أنّ هذه الحرب، إن غيّرت فينا شيئاً كأفراد، فهو أنّها قد جعلتنا أقلّ قدرةً على الممالأة، وعلى احتمال ما لا نريد. أمورٌ كانت تبدو كبيرةً وصعبة نراها الآن سهلةً لا تستحقّ، وأمورٌ كنا نراها صغيرة وتافهة فأصبحنا لا نحتملها. الأساس هو أنّ أكثر الأسباب قد انتفت لكي تستمرّ بقبول ما تراه خطأً أو تصمت في حضوره. لا داعي لأن تكون السائق المهذّب بعد الآن. أنا أعرف أنّ فلسفتي الجديدة هذه هي، بالإجمال، خبرٌ سيئ لمن هم حولي. ولكن حتّى نستعير تعبيراً «بنيوياً» من ماو تسي تونغ، فإنّك لن تحلّ هذه التناقضات وتحسمها حين تواجهها، ولكنك على الأقلّ ستكشفها، وتساعد في أخذها إلى نهاياتها، مهما تكن هذه النهايات. وأهمّ من ذلك كلّه أن لا تضطرّ، في أي منظومة كنت، إلى التعايش الصامت مع ما تكرهه. هذه بالطبع ليست وصيّة بأن تمضي في الحياة شاهراً سيفك، وأن تخوض معركةً على كلّ اختلاف (ومثل هذا النهج هو غالباً منهجٌ غبيّ، وبخاصة إن جاء تحت اسم المبدئية). ولكن أصبح من العار، بعد كلّ ما جرى، أن نرضى في ما تبقّى من حياتنا بالتعايش مع جيرة الانتهازي والفاسد والمشبوه، فلم يعد من شيء يستحقّ.

منذ أن بدأت الكتابة في لبنان كان عندي امتيازٌ وحيد، هو أنني فعلياً أقدر على كتابة ما أريد، وشعرت أنّ عليّ استغلال هذه الفرصة طالما هي قائمة. واكتشفت أيضاً مجتمع الإعلام (ومن المفيد أن تتعرّف إلى لبنان عبر صحافييه وسياسييه، أي أسوأ ما فيه، فهذا هو السبيل الأقصر لكي تفهم «اللعبة»). وقتها فهمت أنّ أمامي طريقين: إمّا أن أقول ما عندي وما تعلّمته، بشكلٍ محترم، ثمّ أنصرف إلى ما هو مفيد (فلا معنى لأن تظلّ في منظومةٍ فاسدة وأنت لا تمتلك القدرة على تغييرها)؛ ثمّ قد أنشر القصص الكثيرة التي جمعتها في بيروت في كتابٍ طريف. أمّا الطريق الثاني، فهو أن أفعل العكس تماماً. أي أن أدخل، عن قرارٍ، مرحلةً جديدة في «حياتي المهنية»، تكون فاضحة وقصيرة، أتعامل فيها بالأسماء والأشخاص بلا حرج، وشعوري أنها ستكون مرحلةً مثيرة.