عادوا إلى قراهم ولم يجدوا بيوتهم: معالم الجغرافيا كلها اختفت

بسبب تحذيرات أمنية.. نتنياهو لن يقضي "حتى ليلة واحدة" في نيويورك

رجي يبحث في نيويورك مستقبل اليونيفيل مع وزيرة الخارجية الإيرلندية

دعم مالي إيطالي للقرى المسيحية في جنوب لبنان

المنتخب السعودي يفتتح "خليجي 27" بفوز مثير على الكويت (فيديو)

استهداف بحري قرب هرمز... عُمان تُجلي 27 من الطاقم

هذا ما أعلنته رابطتا التعليم الثانوي والاساسي الرسمي

رابطة موظفي القطاع العام تقر الإضراب الجمعة المقبل

للمرة الثالثة منذ اندلاع الحرب، لا ينتظر أهل الجنوب قراراً رسمياً كي يعودوا إلى قراهم. لا ينتظرون بياناً من الدولة، ولا إشارة من جهة سياسية، ولا حتى اكتمال الترتيبات الأمنية. يكفي أن يلوح خبر عن هدنة، أو يتراجع هدير الطائرات قليلاً، حتى تبدأ السيارات بالتدفق نحو الطرقات الجنوبية.

كأنَّ الجنوب يمتلك جاذبية لا يمكن مقاومتها. وكأنَّ أهله، مهما ابتعدوا، يبقون مشدودين إليه بخيط لا يُرى. إلى البيوت التي تركوا مفاتيحها خلفهم، إلى الحقول التي لم تُقطف مواسمها، إلى أشجار الزيتون التي بقيت وحيدة في مواجهة الحرب، وإلى المقابر التي يرقد فيها آباء وأمهات وأبناء لا يمكن النزوح عنهم.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

التعب والملل والخوف

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

هذه المرة أيضاً سبقت عودة الناس كل التحذيرات. ناشدت بعض البلديات الأهالي التريث، وحذّرت من أخطار ما زالت قائمة. لكنَّ التعب كان أثقل من التحذيرات، والحنين أقوى من الخوف. فهذه العودة لا تعبّر فقط عن تمسُّك الناس بأرضهم وإصرارهم على البقاء فيها، بل تكشف أيضاً مقدار التعب والإنهاك الذي راكمته الحروب في أرواحهم. كأنَّ الجنوبيين يقولون، من دون شعارات أو خطابات، إنّهم يريدون أن يعيشوا فحسب. ولو تُرك الأمر لهم، لاختاروا حياة هادئة في قراهم، بعيداً من الحروب كلها.

على الطرق المؤدية إلى القرى الحدودية، تبدو السيارات كأنّها قوافل عائدة إلى الذاكرة. عائلات كاملة تحمل ما تبقّى لها من أمل، وتتجه نحو المجهول الذي ينتظرها خلف التلال. بعضهم يعود ليطمئن إلى منزل، وبعضهم ليبحث عن صورة أو شجرة أو غرفة نجت من القصف، وبعضهم فقط ليتأكد أنَّ قريته ما زالت في مكانها. يراقب أحد الجنوبيين طابور السيارات المتجهة جنوباً ويقول: "المواطن بده يعيش. ما حدا سأل عنّه، لا الدولة ولا الحزب ولا حدا".

جملة تختصر مزاجاً عاماً يخيّم على الجنوب. فبعد أشهر طويلة من النزوح والخوف والترقب، لم يعد الناس يبحثون عن الشعارات الكبرى ولا عن الانتصارات المعلنة. يريدون حياة عادية فقط، حياة تشبه ما كانت عليه أيامهم قبل أن تصبح الحرب تفصيلاً يومياً.

تصل امرأة إلى جسر القاسمية فتقول: "رجعت الروح لنا". وبالقرب منها يردُّ رجل آخر: "ما فينا... بدنا نرجع، مشتاقين للجنوب". أما ثالث فيترك للفرح هامشاً صغيراً، قبل أن يستدرك بحذر الجنوبيين المُزمن: "إن شاء الله ما تخرق إسرائيل الهدنة... لأنهم غدارين".

غير أنَّ العائدين يكتشفون سريعاً أنّهم لا يعودون إلى الجنوب الذي غادروه. كأنّ الحرب، في غيابهم، استبدلت القرى بأخرى تشبهها في الاسم فقط. في الهدنة الأولى كانت الصدمة كبيرة، أمّا اليوم فتبدو أكثر فداحة. فما نجا يومها لم ينجُ هذه المرة، وما بقي واقفاً سقط، وما ظنَّ الناس أنّه أفلت من النار التهمته الحرب لاحقاً.

قرىً كاملة تبدّلت ملامحها. شوارع اختفت تحت الركام. أحياء فقدت حدودها ومعالمها. وبيوت كان أصحابها يرددون بعد الهدنة الأولى: "الحمد لله، البيت زمط"، عادوا اليوم ليجدوا أنَّ البيت نفسه لم يعد موجوداً، أو لم يعد يصلح لأن يُسمى بيتاً.

في إحدى القرى، يترجل رجل من سيارته. ينظر طويلاً إلى ما حوله. يدور بعينيه بين أكوام الإسمنت والحجارة المبعثرة، ثم يسأل مرافقيه باستغراب حقيقي: "هذه كفرا؟". يصمت للحظات، كأنّه يبحث عن علامة مألوفة تنقذه من شكّه، قبل أن يضيف: "أظن أننا في قرية أخرى... لم أعرفها".

لم يكن السؤال عابراً. فالحرب هنا لم تكتفِ بتحطيم الجدران والأسقف، بل عبثت بجغرافيا الذاكرة نفسها. الأشجار التي كانت تدل على مفترق الطرق اختفت. المنازل التي كانت علامات للأحياء سويت بالأرض. الدروب التي حفظها الناس عن ظهر قلب لم تعد تقود إلى الأمكنة ذاتها. حتى أسماء القرى بدت أحياناً أكبر من قدرة المكان على حملها.

في الجنوب اليوم، لا يبحث العائدون عن منازلهم فقط، بل عن قراهم أيضاً. عن المشهد الذي تركوه خلفهم. عن تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح المكان هويته. لكنَّهم كثيراً ما يجدون أنفسهم أمام مساحة غريبة، مألوفة بالاسم فقط، فيما تبدو الذاكرة آخر ما بقيَّ من القرية التي كانت هنا.

في صريفا، البلدة التي تعرَّضت لقصف عنيف تكاد تكون، في أجزاء واسعة منها، غير صالحة للحياة. يتجول أحد أبناء البلدة وسط الركام، يتفحص ما تبقّى من الشوارع والمنازل، ثم يقول بمرارة تختصر حجم الخراب: "منيح اللي بعدني عارف الطريق بصريفا".

فالذي تهدَّم هنا لم يكن البيوت وحدها. الحرب وصلت إلى الأماكن التي يُفترض أنها آخر ما يُمس. حتى المقابر لم تسلم. ثلاث جبانات تعرضت للتدمير، في مشهد بدا للكثيرين كأنه استهداف يتجاوز الحجر إلى الذاكرة نفسها.

بين القبور المحطمة والشواهد المكسورة، يتحدث رئيس بلدية صريفا، محمد نزّال، عن محاولة لمحو ما هو أعمق من الأبنية والطرقات. يقول: "يريدون محوَّ كل شيء يربطنا بالأرض".

ليست مجرد مقابر مهدَّمة بالنسبة إلى أبناء البلدة. هنا يرقد الآباء والأمهات والأقارب الذين شكّلوا ذاكرة المكان. هنا أسماء حُفرت على الشواهد منذ عقود، ثم جاءت الحرب لتبعثرها. كأنَّ القصف لم يكتفِ بملاحقة الأحياء في بيوتهم، بل امتدَّ إلى الموتى أيضاً، في محاولة لاقتلاع ما تبقّى من أثر يدل على أنَّ أناساً عاشوا هنا، وأحبّوا هذه الأرض، ودفنوا فيها أحلامهم وأعمارهم.

في فرون، يختلف المشهد قليلاً، وإن لم يبتعد كثيراً عن قسوة الحرب. البلدة الواقعة على خط التماس المباشر تبدو كأنها معلقة بين زمنين، لا هي في الحرب بالكامل، ولا هي دخلت السلم فعلاً. هنا، لا يعود الناس ليستقروا، بل ليطمئنوا فقط. يفتحون أبواب منازلهم إن بقيت أبواب. يتفقدون ما خلّفه القصف. يلتقطون صوراً للخراب كي يُروها لمن لم يأتِ بعد. ثم يغادرون سريعاً.

من أطراف البلدة، يمتدُّ النظر نحو وادي الحجير. تظهر القنطرة والقصير في المشهد القريب. أمّا الطمأنينة، فلا تبدو في أيّ مكان. فالموقع الذي جعل فرون على تماس دائم مع الحرب، لا يزال يجعلها حتى اليوم قرية تتوجس من الغد، مهما ساد الهدوء.

يقول عبد رمضان، ابن البلدة: "الضيعة يمكن يسجلوها منكوبة. فيها دمار كثير، وأغلب البيوت ما عاد تنسكن. أُطلّ وأغادر، بانتظار تأمين المياه والكهرباء، وإيجاد بديل عن بيتي المدمّر حتى أستطيع العودة".

في فرون، لا تكمن المعضلة في الدمار وحده، بل في الحياة التي لم تعد ممكنة بعد. فحتى البيوت التي بقيت واقفة، تحتاج إلى ماء وكهرباء وطرقات وخدمات كي تصبح صالحة للسكن. لذلك، تبدو القرية اليوم كأنها تستقبل أبناءها لساعات فقط، قبل أن تودّعهم مجدداً، على أمل أن تكون العودة المقبلة أطول من مجرد زيارة إلى الركام.