عادل نصار يكتب: وسط اضطرابات الشرق الأوسط.. لماذا تتحرك مصر بقوة نحو آسيا؟

في مشهد يعكس حراكًا دبلوماسيًا واسعًا، وتحركات مكوكية تتجاوز حدود الجغرافيا، تتحرك مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي لفتح نوافذ جديدة للشراكة والاستثمار، وسط عواصف سياسية واقتصادية تضرب الشرق الأوسط، لتتحول الجولة الآسيوية إلى تحرك استراتيجي يستهدف تأمين المصالح المصرية، واقتناص فرص التنمية، وبناء جسور جديدة مع قوى اقتصادية صاعدة في عالم تتشابك فيه الأزمات وتتغير فيه موازين المصالح.

وتكتسب الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي شملت كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا خلال أكتوبر 2026، أهمية استثنائية في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، وما تفرضه من ضرورة تنويع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز العلاقات السياسية، والبحث عن مسارات جديدة لدعم الاقتصاد المصري في مواجهة تداعيات التوترات الجيوسياسية، واضطرابات أسواق الطاقة، وتحديات التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، فالجولة لا تقتصر على اللقاءات الرسمية وتبادل وجهات النظر، بل تفتح المجال أمام تحركات تستهدف بناء شراكات طويلة الأجل، وتوسيع فرص الاستثمار والتصنيع والتكنولوجيا، بما يدعم قدرة مصر على التعامل مع المتغيرات المتسارعة.

وتزايدت مكانة القارة الآسيوية في الشئون الدولية خلال العقد الأخير، لتصبح أحد المراكز الرئيسية المؤثرة في الاقتصاد العالمي وموازين القوى الدولية، إذ تضم نحو 60% من سكان العالم، وتسهم بنحو 40% من الناتج العالمي، فضلًا عن دورها المحوري في الصناعات الإلكترونية والتكنولوجية، خاصة إنتاج الرقائق الإلكترونية التي تقود صناعتها اقتصادات كبرى مثل كوريا الجنوبية وتايوان واليابان، إلى جانب تنامي القدرات الصناعية لماليزيا، كما تحتضن القارة مراكز مالية عالمية مهمة، وتكتسب ثقلًا جيوستراتيجيًا متزايدًا في ظل التنافس الصيني الأمريكي على النفوذ في منطقتي المحيطين الهندي والهادئ.

وتبرز أهمية الجولة الآسيوية باعتبارها فرصة لتعزيز الشراكات الاقتصادية وتوسيع مجالات التعاون الاستثماري والتجاري مع اقتصادات تمثل مجتمعة نحو 4 تريليونات دولار، بينما يبلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين مصر نحو 6 مليارات دولار، وفق الأرقام الواردة بشأن العلاقات الاقتصادية بين الجانبين.

وتتجلى أهمية التحركات المصرية في كوريا الجنوبية، التي شهدت الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بما يعكس الرغبة في الانتقال بالتعاون من الإطار التقليدي إلى آفاق أوسع تشمل التكنولوجيا والصناعة والطاقة النظيفة والبنية التحتية الكهربائية وبناء السفن، وتكتسب العلاقات المصرية الكورية الجنوبية أهمية خاصة، إذ تصل الاستثمارات الكورية الجنوبية في مصر إلى نحو مليار دولار، وتعمل بالسوق المصرية قرابة 50 شركة كورية، يبلغ حجم إنتاجها السنوي نحو 1.5 مليار دولار، يُصدَّر ما بين 80% و90% منه إلى أكثر من 50 دولة حول العالم، وتعكس هذه الأرقام فرصًا لتعزيز دور مصر مركزًا للإنتاج والتصدير، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية، فضلًا عن قدرتها على الربط بين الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.

ولا تقتصر أهمية الشراكة مع كوريا الجنوبية على جذب الاستثمارات القائمة أو زيادة حجم التبادل التجاري، بل تمتد إلى إمكانية نقل الخبرات الفنية والتكنولوجية، وتطوير الكفاءات المحلية، وزيادة المكون المحلي في الصناعات المختلفة، فالتعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة يمكن أن يسهم في دعم خطط الدولة لتوطين الصناعة، وتقليل الاعتماد على استيراد بعض المنتجات والمكونات، ورفع القدرة التنافسية للصادرات المصرية، غير أن تحقيق هذه المكاسب يظل مرتبطًا بتحويل الاتفاقات ومذكرات التفاهم إلى مشروعات فعلية، تتضمن استثمارات واضحة وبرامج تنفيذ محددة، وتحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري.

أما ماليزيا، فتمثل محطة مهمة في مسار تنويع الشراكات المصرية، بالنظر إلى خبراتها في مجالات الصناعة والإلكترونيات والطاقة والزراعة والصناعات الغذائية، وتتيح العلاقات مع كوالالمبور فرصًا لتوسيع التعاون في مشروعات الإنتاج والتصنيع المشترك، وتبادل الخبرات، وجذب الاستثمارات إلى قطاعات يمكن أن تدعم الصادرات المصرية وتوفر فرص عمل جديدة، كما أن التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والأمن الغذائي يكتسب أهمية متزايدة في ظل التقلبات العالمية التي تؤثر على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع الأساسية، وهو ما يجعل بناء شراكات إنتاجية طويلة الأجل أحد المسارات المهمة لتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.

وفي إندونيسيا، تتسع آفاق التعاون في التجارة والصناعة والاستثمار والخدمات اللوجستية، إلى جانب الصناعات الزراعية والمواد الخام والطاقة، وتمثل السوق الإندونيسية، بما تمتلكه من قاعدة سكانية واسعة ونشاط اقتصادي متنوع، فرصة أمام المنتجات المصرية للوصول إلى أسواق جديدة، في الوقت الذي يمكن فيه تعزيز التعاون بين الشركات في البلدين لإقامة مشروعات مشتركة تستفيد من المزايا النسبية لكل طرف، وتزداد أهمية هذا المسار مع توجه مصر إلى تنويع وجهات صادراتها وتقليل الاعتماد على عدد محدود من الأسواق، بما يمنح الشركات المصرية فرصًا أوسع للنمو والتوسع الخارجي.

وفي ظل الظروف الراهنة في الشرق الأوسط، تكتسب التحركات المصرية نحو آسيا أبعادًا تتجاوز الاقتصاد والتجارة، إذ ترتبط بشكل مباشر بالتحديات المتعلقة بأمن الطاقة والملاحة البحرية واستقرار سلاسل الإمداد، فالتوترات الإقليمية يمكن أن تنعكس على حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وأسعار الوقود، وهو ما يؤثر على الاقتصادات المستوردة للطاقة والسلع، ويزيد الضغوط على تكاليف الإنتاج والتجارة.

ومن هنا، فإن تعزيز العلاقات مع شركاء آسيويين يمثل فرصة لتوسيع قنوات التعاون والتنسيق، وتطوير بدائل اقتصادية وتجارية تساعد على الحد من آثار الاضطرابات العالمية، دون أن يعني ذلك إمكانية عزل الاقتصاد المصري بصورة كاملة عن تداعياتها.

وتحمل الجولة أهمية سياسية في ضوء سعي مصر إلى توسيع دائرة التشاور مع القوى الدولية والإقليمية بشأن الملفات التي تمس استقرار الشرق الأوسط، فتعزيز العلاقات مع كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا يتيح مساحة أوسع لتبادل الرؤى حول الأزمات الإقليمية، ويدعم التواصل مع دول تمتلك مصالح اقتصادية وسياسية مؤثرة في آسيا والعالم، وقد تناولت المباحثات عددًا من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها التطورات المرتبطة بالقضية الفلسطينية وقطاع غزة وأمن الملاحة، بما يعكس الترابط بين الاستقرار السياسي وحماية المصالح الاقتصادية وحركة التجارة الدولية.