عادل نصار يكتب: رسائل واضحة في توقيت شديد الحساسية

كلماتٌ كأنها طلقاتٌ أصابت الهدف من المرة الأولى، اخترقت ضجيج المشهد، ووصلت رسالتها إلى أبعد نقطة ممكنة.. هكذا بدت لي تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاجتماع الذي استمر قرابة 6 ساعات، وحمل في طياته 41 رسالة واضحة، بحضور رئيس الوزراء والوزراء والمحافظين وقيادات الدولة والعُمد والمشايخ والخبراء، من داخل المقر الاستراتيجي للدولة.

لم تكن مجرد كلمات عابرة في اجتماع طويل، وإنما رسائل أراد الرئيس أن تصل كاملة إلى الرأي العام، بلا مواربة ولا مساحات رمادية؛ حديث عن التحديات، وكشف لحجم الخسائر، ومصارحة بالواقع، وفي الوقت نفسه تأكيد أن الدولة تمتلك من الأدوات والموارد ما يمكنها من مواجهة الصعاب والمضي قدمًا.

في وقت تتسارع فيه الأزمات وتتداخل التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية، جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الاجتماع الموسع الذي عقده اليوم مع الحكومة والمحافظين وقيادات الدولة والعمد والمشايخ والخبراء، لتقدم نموذجًا لخطاب سياسي يضع عددًا من الملفات الحساسة أمام الرأي العام بصورة مباشرة وواضحة.

اللافت في حديث الرئيس لم يكن فقط حجم الملفات التي تناولها، وإنما طبيعة الرسائل التي حملتها التصريحات؛ فالمصارحة بشأن الصعوبات، والحديث عن تكلفة الأزمات، والإقرار بتأثير التطورات الإقليمية على الاقتصاد المصري، كلها أمور تمنح المواطن صورة أكثر وضوحًا عن المشهد الذي تتحرك فيه الدولة.

من أبرز ما حملته تصريحات الرئيس، الحديث بوضوح عن تداعيات الأزمات التي تعرضت لها مصر منذ عام 2020، وعلى رأسها جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والحرب في قطاع غزة، وما ترتب على التطورات الإقليمية من ارتفاع في أسعار البترول والسلع الأساسية وانعكاس ذلك على الأسعار في السوق المصرية.

كما تحدث الرئيس بصورة مباشرة عن خسارة مصر نحو 20 مليار دولار من عوائد قناة السويس خلال السنوات الأخيرة نتيجة حالة عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة، وهذه المصارحة بالأرقام تحديدًا مهمة؛ لأنها تضع المواطن أمام حجم التأثير الاقتصادي للأحداث الإقليمية، بدلًا من الاكتفاء بعبارات عامة عن وجود تحديات أو ضغوط.

والأهم أن الحديث لم يتوقف عند عرض الصعوبات، وإنما انتقل إلى التأكيد على أن مصر تمتلك موارد هائلة، وأن المطلوب هو العمل على حسن استغلالها، بما يعكس رؤية تقوم على الاعتراف بالمشكلة بالتوازي مع البحث عن أدوات التعامل معها.

وهنا تكمن قيمة المصارحة؛ فالمواطن لا يحتاج فقط إلى سماع الأخبار الجيدة، وإنما يحتاج أيضًا إلى معرفة حجم التحديات التي تواجه بلاده، والأسباب التي تقف وراء بعض الأزمات، وما الذي يتم عمله لمواجهتها.

من الرسائل اللافتة في حديث الرئيس التأكيد على أن وعي المصريين يمثل حائط صد، مع التشديد على أهمية تماسك الجبهة الداخلية وترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة. كما تحدث عن تعدد الأدوات التي يمكن استخدامها للإضرار بالدول، ومن بينها ما يتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في عصر أصبحت فيه المعلومة تنتقل خلال ثوانٍ، وأصبح المواطن شريكًا أساسيًا في تشكيل الرأي العام، ومن هنا فإن بناء الوعي لا يمكن أن يقوم فقط على مطالبة المواطنين بالثقة، وإنما يحتاج أيضًا إلى تقديم المعلومات لهم بصورة واضحة، والرد على التساؤلات، وشرح الحقائق والأرقام.

والمصارحة في هذه الحالة ليست مجرد أسلوب في التواصل، وإنما وسيلة لبناء علاقة أكثر نضجًا بين مؤسسات الدولة والمجتمع؛ فكلما عرف المواطن طبيعة التحديات التي تواجه بلاده، أصبح أكثر قدرة على فهم القرارات والسياسات التي يتم اتخاذها لمواجهتها.

وفي ملف السياسة الخارجية، جاءت تصريحات الرئيس لتؤكد أن خيار مصر الاستراتيجي هو السلام، وأن مصر ليست لديها أجندة خفية، مع التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية وضرورة الوصول إلى تسوية تحقق الاستقرار في المنطقة، كما أكد الرئيس دعم أمن واستقرار دول الخليج وضرورة الحفاظ على حرية الملاحة وفقًا للقانون الدولي، وهنا تظهر أهمية الوضوح في الملفات الخارجية، خصوصًا في منطقة شديدة التعقيد، حيث تتغير التحالفات وتتداخل المصالح وتتوالى الأزمات، فإعلان الثوابت أمام الرأي العام يساعد على فهم الإطار الذي تتحرك داخله السياسة المصرية.

من أكثر الرسائل التي تستحق التوقف عندها تأكيد الرئيس أن البعض قد يرى أن الحلول صعبة، بينما يرى هو أن مصر لديها موارد هائلة يمكن استغلالها بصورة أفضل، وهذه الرسالة تحمل بُعدًا مهمًا، فالمصارحة لا تعني تقديم صورة قاتمة، كما أن الحديث عن التحديات لا يعني فقدان الأمل، و الدولة التي تعترف بحجم المشكلة تستطيع أن تبحث بصورة أكثر واقعية عن الحل، والمجتمع الذي يعرف الحقيقة يستطيع أن يشارك بصورة أكثر وعيًا في تجاوز الأزمات.

وفي المقابل، فإن حديث الرئيس عن ضرورة رفع كفاءة الأداء الحكومي، وحسن معاملة المواطنين، وتحسين الخدمات، يؤكد أن المصارحة مع المجتمع يجب أن تتزامن مع العمل على الأرض، لأن ثقة المواطن لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالنتائج التي يلمسها في حياته اليومية.

ربما تكون الرسالة الأوسع في اجتماع اليوم هي أن حماية الدولة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، فالرئيس تحدث عن قوة مؤسسات الدولة، لكنه في الوقت نفسه وضع وعي المواطن وتماسك المجتمع في قلب معادلة حماية الدولة، مؤكدًا أن الحفاظ على مصر مسؤولية جماعية.

ومن هنا فإن المصارحة تصبح أكثر من مجرد كشف للأرقام والوقائع؛ إنها دعوة إلى التعامل مع المواطن باعتباره طرفًا في الحوار الوطني والمجتمعي، وليس مجرد متلقٍ للقرارات.

لقد حمل اجتماع اليوم رسائل متعددة، من الاقتصاد إلى الأمن القومي، ومن السياسة الخارجية إلى الخدمات، ومن الشائعات إلى أهمية الوعي، لكن ما يستحق الإشادة بوضوح هو أن الحديث أمام الرأي العام لم يتجاهل صعوبة المشهد، ولم يخفِ تكلفة الأزمات، بل وضع جانبًا من هذه الحقائق والأرقام على الطاولة.

وهنا ينبغي التأكيد على أن مصارحة المواطن بالحقيقة، مهما كانت صعوبتها، تظل أكثر فائدة من ترك مساحة فارغة تملؤها الشائعات والتفسيرات المتضاربة، وكلما ارتفع مستوى المعلومات المتاحة أمام المجتمع، أصبح النقاش العام أكثر قدرة على التعامل مع الواقع بعيدًا عن المبالغة أو التهوين، وهذه هي القيمة الأبرز في رسائل الرئيس اليوم، أن الدولة تتحدث عن التحديات كما هي، وتعرض الخسائر كما هي، وفي الوقت نفسه تؤكد امتلاكها الموارد والقدرة على العمل من أجل تجاوزها.

وفي نهاية المشهد، ربما لم تكن الساعات الست مجرد وقتٍ انقضى داخل قاعة الاجتماع، بل كانت أشبه بنافذة واسعة فُتحت على واقع مصر؛ دخل منها ضوء الحقيقة، وخرجت عبرها رسائل إلى كل بيت، فالسياسة حين تبتعد عن الناس تتحول إلى أرقام باردة، وحين تقترب منهم تصبح حوارًا ومسؤولية ومشاركة في فهم ما يجري. وما بين 41 رسالة، وأرقام للخسائر، وحديث عن الأزمات، وتأكيد على الموارد والقدرة على تجاوز الصعاب، كانت الرسالة الأهم أن الطريق إلى المستقبل لا يُبنى بإخفاء العثرات، وإنما برؤية الطريق كما هو، بكل مطباته ومنحنياته، ثم مواصلة السير.