«طوق الحمامة» لابن حزم: فقيه صدع بالحب

يظل الحب أحجية عصية على التعريف اللغوي والضبط المفاهيمي، فالحب أو العاطفة والإنسان صنوان لم يفترقا ولن يفترقا لحظة بحسب مقتضيات الطبيعة والخلق وبحسب الوعي واندفاعات التعقل في محاولة ضبط إيقاعات العاطفة كون الإنسان تتنازعة عاطفة هي طاقة لا بد وأن تكون خلاقة، وكذلك عقل لا بد وأن يكون مواكباً لها ومبدعاً وبحاراً ماهراً يعرف قيادتها في ظل أمواجها المتلاطمة.

ولد الفقيه والشاعر والفيلسوف والعالم الموسوعي ابن حزم القرطبي الأندلسي ابن حَزْم (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ = ٩٩٤ - ١٠٦٤ م) إمام المذهب الظاهري المعروف بحدة ذكائه وكثرة مؤلفاته في بيئة أندلسية خصبة ومنفتحة الآفاق.

كتب ابن حزم كتابه «طوق الحمامة» وهو في الثامنة والعشرين من عمره نزولاً عند طلب أحد أصدقائه واختياره لطائر الحمامة كعنوان لكتابه مما له من رمزية دينية وبعد فلسفي كالحب تماما بما هو تجربة روحية خالصة.

فعدّ من أهم أعماله في تاريخ الأدب العربي قسمه مؤلفه إلى ثلاثين قسماً ويوضح بعد ذلك أن في كتابه اثني عشر باباً في أعراض الحب وصفاته المحمودة والمذمومة، وستة أبواب في الأمراض التي تصيب الحب واضعاً باباً في قبح المعصية، ثم ختم بفضل التعفف.

يتضمن الكتاب مجموعة كبيرة من أخبار المحبين وقصصهم وأشعارهمالتي عاصرها في الأندلس، كما يعرض فيه تحليلاته العميقة لمشاعر الحب المُختلفة مقدماً لنا صوراً عاطفية جميلة مدعومة بقصص واقعية وبأشعار جميلة.

أبرز فيه خصائص إنسانية راقية محاولاً التعريف بفلسفة الحب وما ينبجس عنها من المعاني المتعالية التي لا بد وأن تكون منفتحة على مدى الزمن وليست وليدة لحظة عابرة، بل هي نافذة جياشة تجترح كل قرب من الحقيقة الإنسانية التي تتلمس أصل وجودها وجمالياته في سبيل التثبث بكل معنى رفيع في مواجهة انعدام التوازن في عالم الأرض وما فيه من ضغوطات وأهواء تمنع الإنسان من معايشة الحب كطاقة مبدعة تعيد تشكيل واقعه الفكري والاجتماعي وتحجزه عن اللهوث وراء الشهوات البهيمية والمستهلكة التي تسحق كرامة الإنسان.

فالحب هو العقل والتعقل والوعي هو التعبير الأسمى لكرامة بشرية قد خنقتها الماديات والنزوات والشهوات بأشكال مختلفة وبوجه خاص اليوم فما أكثر ما نراه ونسمعه من صور وأشكال ومحتويات وسلوكيات تجعل من الإنسان عبداً ورقما وسلعة لا إنساناً محباً يدفعه حبه إلى تغيير أوضاعه وعلاقاته بما يتناسب مع كرامته ودوره الوجودي في الحياة.

كتاب فيه كل دعوة إلى التخلق بالأخلاق الحسنة والتعفف ونبذ الشهوانية البغيضة فماذا لو جاء ابن حزم اليوم وشاهد هذه الأجيال التي تعجن عاطفتها الماديات والتسليع وتقدم لها السموم السلوكية العبثية والتي تفرغها من كل قيمة ومضمون ومحبة هادفة تليق بإنسان.

فمتى تعيد البشرية تشكيل واقعها الروحي والإجتماعي على أسس الألفة في وقت لا أُلفة فيه وغاب عنه الأُلاَّف؟!.