.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
بعد زوال غبار الحرب عام 1991 تبين أن إيران لم تكن "محايدة". باحثون في الشأن الإيراني يرجّحون أن طهران وواشنطن أجرتا اتصالات أمنية سرية أثناء الحرب، ويذهب بعضهم إلى التأكيد أن إيران سمحت للطائرات الأميركية باستخدام مجالها الجوي.
حين أخذت الحشود العسكرية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تتدفق على المنطقة بعد الغزو العراقي للكويت في الثاني من آب/أغسطس عام 1990، استشعر معظم النخب العربية أن الهدف هو تدمير العراق وليس تحرير الكويت فقط.
كانت سلسلة من التحركات والتغيّرات السياسية والاقتصادية حول العراق، تلت الحرب العراقية- الإيرانية وسبقت غزو الكويت، قد خلقت انطباعاً ملموساً بأن ضغطاً متعدد الوجه يُمارَس على بغداد لخفض قوتها العسكرية ووقف برامج التسلح الطموحة التي تسعى إليها، وهو ما رأته تلك النخب "مؤامرة دولية-اِقليمية بقيادة أميركا على العراق".وعندما بدأ القصف الجوّي في السابع عشر من كانون الأول/يناير عام 1991 أعطت كثافته وطبيعة أهدافه المنتقاة مؤشراً واضحاً على هدف التدمير.آنذاك، ورغم الحرب العراقية- الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات (1980-1988)، كان انبهار تلك النخب بوهج الثورة الإيرانية التي أسقطت الشاه عام 1979، ورفعت شعار "تحرير فلسطين" ومحاربة الإمبريالية، وفي مقدمها أميركا بوصفها "الشيطان الأكبر"، لم يخب بعد. ففي تلك السنوات كان مفكرون وقادة يزورون طهران ويلتقون قياداتها؛ ومنهم مَن التقى مرشد الثورة الإمام الخميني، حتى أن "ماركسيين" كثراً اصطفوا إلى جانب النظام الإيراني، منظّرين لـ"الإسلام الثوري" و"الثورة الإيرانية"، التي "حوّلت الإسلام من بحثٍ في النَفاس والحيْض، إلى طاقةٍ ثورية"!لم تكن هذه الزيارات واللقاءات تعبيراً عن إيمان طهران بالتنوّع والحرّيات الفكرية، بل كانت مناسبة لتدعو هؤلاء إلى هجر قناعاتهم والالتحاق بالخط الإسلامي؛ فقد دُعي بعض التنظيمات إلى تغيير أسمائها إلى أسماء إسلامية وتبنّي الخط الإسلامي في برامجها، كشرط لتلقّيها الدعم من إيران. ولم يسلم من ذلك حتى رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، الشهيد ياسر عرفات.في أجواء الحشود العسكرية الكثيفة (33 دولة)، وحِدّة القصف الجوّي "الإمبريالي"، بقيادة "الشيطان الأكبر"، كان من الطبيعي أن تتوجه أنظار تلك النخب إلى طهران وتتطلع إلى موقفها. وعندما أعلنت إيران "حيادها"، وأنها غير معنية بالتدخل، "إلّا إذا تعرضت العتبات المقدسة في العراق لاعتداءات"، أصيبت النخب بالذهول والخيبة من الموقف الإيراني، خصوصاً أنها كانت تتابع الانفراج الذي حصل في العلاقات العراقية- الإيرانية، قبل غزو الكويت بفترة؛ ففي أوائل أيار/مايو عام 1990 تسلم الرئيس الإيراني هاشمي رفسنجاني رسالة من الرئيس العراقي صدام حسين يقترح فيها "إجراء مفاوضات ثنائية للخروج من حالة اللاحرب واللاسلم"، فأبدت طهران اهتماماً غير عادي وقال رفسنجاني إنه "تلقّى إشاراتٍ مشجعة على حسن النية من الجانب العراقي"، فأوقف العراق حملاته الإعلامية على إيران، وجرى تبادل الزيارات بين البلدين على مستوياتٍ وزارية.في سياق الذهول والخيبة، تفجّرت مشاعر رجل الدين الشيعي، المفكر العربي والمجدّد الإسلامي، العلّامة اللبناني الراحل السيد محمد حسن الأمين، الذي كان يومها قاضياً للشرع الجعفري في صيدا، فوجّه في الأول من شباط/فبراير عبر الصحافة رسالة مفتوحة إلى مرشد الثورة علي خامنئي، ارتأينا أن ننشر مقتطفاتٍ منها ليطّلع عليها الرأي العام وتعرفها الأجيال الجديدة التي وقعت ضحية التضليل الإيراني، واشتبكت على مواقع التواصل الاجتماعي في سجالٍ حول الموقف من الحرب الدائرة بين إيران من جهة، واسرائيل وأميركا من جهة أخرى.