لم تصمد طويلاً محاولات الإدارة الأميركية طمأنة الأسواق العالمية إلى إمكانية حدوث تراجع قريب في أسعار النفط. فالتهديدات المُتتالية على لسان مسؤوليها بشنّ حرب جديدة ضدّ إيران، جعلت حديثها عن استعادة صادرات الخليج مستوياتها التي كانت عليها قبل شباط الماضي، واتفاقها مع موسكو على ضخّ نحو 300 ألف طنّ من الديزل في الأسواق العالمية، يبدوان بلا أثر حقيقي، وذلك في ضوء تخطّي أسعار النفط، قبل أيام قليلة، عتبة 117 دولاراً. ولا يُستبعد مستقبلاً أن تعاود الأسعار ارتفاعها في حال استمرار التصعيد الأميركي وانفلاته، الأمر الذي من شأنه أن يضع الاقتصاد العالمي أمام صدمة تضخّمية جديدة، ويدفع بالتالي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة مرّة ثانية، ما يعني دفع الاقتصاد إلى مزيد من التباطؤ والانكماش. لكن لماذا أصبحت تصريحات المسؤولين الأميركيين وتهديداتهم مؤثّرة بشدّة هذه المرّة في أسعار النفط؟ ألم تكن المشكلة، قبل عدّة أسابيع، تُشخَّص على أنها نتيجة لنقص إمدادات الأسواق العالمية من النفط الخام، فيما صادرات الخليج الآن «تعود إلى سابق عهدها» في بعض الأحيان، بحسب ما تشير إليه بعض المؤسّسات المعنيّة بمتابعة حركة السفن، ودوائر الإدارة الأميركية نفسها؟ فلماذا لا يُلحظ أثر هذا التغيير؟
قطاع مُدمّر
بعد نحو ثمانية أشهر على بدء الحرب على إيران، وما شهدته من إجراءات وخطوات تصعيدية وصلت إلى حدّ استهداف المُنشآت النفطية والسفن وغير ذلك، لم يعُد قطاع النفط كما كان سابقاً. فهو يحتاج إلى فترة زمنية ليست قصيرة قبل أن يستعيد عافيته أو يعود إلى دورة عمله المُعتادة. ذلك بأن المشكلة التي يعانيها لا تقتصر على الإنتاج الذي تضرّرت مُنشآته جزئياً، وعرقلة سلاسل التوريد، وإنما تشمل أيضاً ازدياد تكاليف التأمين والشحن من جرّاء عاملَين أساسيَّيْن: الأوّل، ارتفاع مستوى المخاطر، المتمثّلة في إمكانية تعرّض أيّ سفينة للاستهداف المباشر أو اصطدامها بلغم بحري؛ والثاني، النقص الحادّ في أعداد السفن المُخصَّصة لنقل النفط، بعد استهداف عدد منها وتضرّره، وابتعاد عدد آخر عن منطقة الحرب للعمل في مناطق عالمية أقلّ خطورة.يترافق ذلك أيضاً مع نقص في كمّيات المُشتقّات النفطية المُتاحة للاستهلاك مُقارنةً بالاحتياجات العالمية، نجم أساساً عن محدودية الطاقة الإنتاجية للمصافي العاملة في الدول مُقارنة بالطلب العالمي. وهكذا، تشكّلت معادلة ضاغطة على أسعار النفط والمُشتقّات النفطية، طرفاها: تكاليف مرتفعة وطلب متزايد، في مقابل معروض متأرجح وغير كافٍ، يمكن أن تتراجع كمّياته في أيّ لحظة مع عودة الحرب أو إقدام حركة «أنصار الله» على إغلاق مضيق باب المندب تماماً، بما يقطع الطريق أمام البديل الذي عملت عليه السعودية طوال الأشهر الماضية لتصدير نفطها.على أن مشكلة الطلب المتزايد لم تعُد تقتصر على تلبية احتياجات الأسواق المحلّية والمستهلكين، بل امتدّت إلى المخزونات التي أصبحت عاملاً حاسماً. فتراجع المخزونات العالمية يجعل السوق أكثر حساسية لأيّ انقطاع جديد في الإنتاج أو الصادرات، ويقلّص القدرة على امتصاص الصدمات. ولذا، تسعى معظم الدول إلى إعادة ترميم مخزوناتها قبل بدء فصل الشتاء، والتحوّط من أيّ تصعيد مُحتمل. إلّا أن هذا المسعى لا يزال متعذّراً على بعض الدول لأسباب عدّة، أبرزها ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وتراجع كميات المشتقّات النفطية المعروضة.
لم تعُد مشكلة الطلب المتزايد تقتصر على تلبية احتياجات الأسواق المحلّية والمستهلكين، بل امتدّت إلى المخزونات
من المستفيد؟
يُلاحظ، في تعليقات مسؤولي الشركات والمؤسّسات التجارية خلال الفترة الماضية، أنهم باتوا يتحدّثون عن مستقبل أسعار الديزل في حال تجدّد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، أو توسّعها بين صنعاء والرياض، أكثر ممّا يتحدّثون عن أسعار النفط الخام. والسبب، هو ارتفاع تكاليف تكرير المُشتقّات النفطية ومحدودية كمّياتها. وإلّا، فما الذي يدفع الرئيس الأميركي إلى الضغط على المصافي لتخفيض أسعار المُشتقّات، أو إلى طلب المساعدة من نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، لضخّ المزيد من الديزل الروسي في الأسواق الأميركية؟بحسب ما نقلت «بلومبرغ» في وقت سابق عن محلّلين، فإن ارتفاع تكاليف الشحن بسبب المخاوف من تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط، قد يزيد تكلفة وصول الخام إلى المصافي ويضغط على هوامش أرباحها. وفي تحليل نشرته أخيراً، قالت صحيفة «فايننشال تايمز» أيضاً إن العودة إلى الحرب الشاملة ستدفع أسعار مُنتجات النفط المُكرّرة، من مثل البنزين ووقود الطائرات، إلى الارتفاع، فضلاً عن ازدياد أسعار النفط الخام المُستخدَم في إنتاجها. ونقلت الصحيفة عن مدير تنفيذي في شركة كبيرة لتجارة السلع قوله: «إذا حدث تصعيد جديد، فإننا نتوقّع أن ترتفع أسعار الديزل إلى 250 دولاراً للبرميل، وربّما أكثر، بحسب ما يحدث وحجم الأضرار»، في حين أشار أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في بنك ساكسو، إلى تزايد «قلق السوق من أن الهجمات الإضافية قد تضرّ بالبنية التحتية للإنتاج أو المعالجة أو التصدير، ما يخلق اضطرابات لا يمكن حلّها بسهولة بإعادة توجيه الشحنات».
وسرعان ما انتقلت تداعيات التهديدات الأميركية، وما قادت إليه قبل أيام من ارتفاع في أسعار النفط ومُشتقّاته، إلى الداخل الأميركي، إذ تراجعت الأسهم الأميركية بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط، وسط مخاوف من تصاعد الضغوط التضخّمية وازدياد تكاليف الوقود، فيما قفزت أسهم بعض شركات الطاقة. وهذا ما يجعل بعض المحلّلين والاقتصاديين يفسّرون تهديدات الإدارة الأميركية وتبعاتها على الأسعار، التي تأتي قبل نحو أسبوعَين من موعد الانتخابات النصفية، بأحد احتمالَين:الأوّل: أن الإدارة لم تقرأ جيداً تبعات مثل هذه التهديدات، في وقت تعيش فيه الأسواق مخاوف عدّة، أبرزها ما يمكن أن تسفر عنه المواجهة القائمة بين صنعاء والرياض من مخاطر على سلامة المُنشآت النفطية السعودية وخطوط نقلها وتكريرها، وما تعانيه المنظومة النفطية العالمية من نقص في السفن، وعجز في الطاقات الإنتاجية للمصافي، فضلاً عن الحوادث شبه اليومية التي تتعرّض لها ناقلات النفط في الخليج، وغير ذلك. وإذا كان يُفترض أن تعمد الإدارة إلى التهدئة قبيل الانتخابات، بغية تعويض بعض خسائرها المتوقّعة، أو على الأقلّ تقليل حجمها، فإن ذلك لا ينتفي إلّا إذا كانت مُتيقِّنة من خسارتها الانتخابات؛ فعندئذ، يصبح سلوكها الحالي مفهوماً.
الثاني: أنه في مثل هذه الحالات، يُبحث دوماً عن المستفيد؛ والمستفيد الوحيد من ارتفاع أسعار النفط، وفق هذا الطرح، هو الشركات الكبرى، التي تشير الإفصاحات المالية لبعضها إلى تحقيقها أرباحاً ليست قليلة خلال ما مضى من العام الحالي. ومن هنا، يبرز السؤال عن مدى تأثير المصالح التجارية لشركات الطاقة في السياسات الأميركية، وعن طبيعة العلاقات التي تربط هذه الشركات بالإدارات المتعاقبة، وإن كانت زيادة الأرباح لا تكفي وحدها لإثبات هكذا علاقة.عندما جرى التوقيع على «مذكّرة التفاهم» بين واشنطن وطهران في حزيران، تراجع سعر النفط إلى ما دون 75 دولاراً، ثمّ أخذ يعاود ارتفاعه، مسجّلاً قبل أيام قليلة أعلى مستوى له منذ عام 2008. والسبب ببساطة، هو تراجع واشنطن عمّا جرى الاتفاق عليه في المذكّرة، والعودة إلى أجواء التصعيد والتهديد والحصار. لكن ما إن سُرّبت أخبار عن وجود تواصل لنائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، مع مسؤولين إيرانيين، أمس، حتى هبط سعر برنت إلى نحو 114 دولاراً لعقود كانون الأول!