ربما لم تمر على دول الخليج العربية لحظة بالغة الدقة والخطورة، كاللحظة الراهنة، التي استفحلت مع اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية وما تلاها من تطورات كتلك الجارية في اليمن، وما سبقها من حرب إسرائيلية على غزة ولبنان.التطورات المتلاحقة تضع المنظومة الخليجية أمام تحديات استراتيجية وأمنية غير مسبوقة، تفرض عليها إعادة صياغة أولوياتها السياسية والاقتصادية لحماية أمنها القومي واستقرارها الداخلي، وكلها استحقاقات تستدعي من الجميع التحلي بالوعي المسؤول بما يجب فعله، وتتطلب التسلح بالحكمة والتعاون ونبذ الخلافات المصطنعة، لا سيما أن هناك كثيراً من «الذباب الإلكتروني» الذي ينفخ في بعض التباينات ويصطنع السيناريوهات ويختلق المزاعم خدمة لأجندات خفية تستهدف المصلحة الخليجية الجامعة وتمارس حالة حرب تهدف إلى الوقيعة بين الأشقاء. ويفرض تجاوز هذا الوضع مواقف حاسمة تحصن المجتمعات الخليجية، نخباً ومواطنين، وترسي حصانة رقمية وشبكة أمان إعلامية، تصد كل المخططات المشبوهة، التي تنتشر في فضاءات التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم.الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السموّ رئيس الدولة، اعتبر أن «تجاوز السفاهة والسقوط اللذين نشهدهما في المهاترات الخليجية عبر وسائل التواصل واجب علينا جميعاً»، وهي دعوة صريحة ومباشرة لضبط الفضاءات الرقمية ومواجهة ما تبثه من عبث وسموم تستهدف تماسك البيت الخليجي، في وقت يحتاج فيه الإقليم إلى أعلى درجات التلاحم واليقظة لمواجهة العواصف الأمنية والسياسية المحيطة به من كل جانب.لقد أصبحت بعض المنصات الرقمية ألسنة للفتنة والبغضاء، لما تمارسه من تضخيم لقضية على حساب أخرى ونفخ في رماد صراعات وهمية بهدف إلهاء الرأي العام عما هو أهم وأجدى للاستقرار الداخلي لدول مجلس التعاون. ومهما كانت الذرائع، فإن مثل هذه الظاهرة لم تولد فجأة، وإنما تشكلت نتيجة تراكمات ممنهجة واستثمار من أطراف خارجية وظفت أخبث ما في التقنية أداة لزعزعة الاستقرار المجتمعي وتفكيك الروابط التاريخية بين الشعوب.والدليل على ذلك أن هذه الوسائل الرقمية لا تنطق بلغة أهل الخليج الأصلاء ولا تعبر عن أخلاقهم وقيمهم، التي توارثتها الأجيال كابراً عن كابر، وإنما تخلق لغة تعبر عن «طابور خامس»، يتخفى وراء أسماء مستعارة يستهدف تحويل الفضاء الافتراضي إلى ميدان للتطاول على الثوابت الراسخة وتمرير سيناريوهات مفبركة تتساوق مع أجندات من لا يريدون للمنطقة خيراً.إنها لحظة مصيرية لدول الخليج العربية تستدعي تضافر الجهود وتعميق التلاحم وبناء جبهة داخلية صلبة قادرة على الصمود أمام التحولات العاصفة، وحماية منظومة القيم الخليجية الأصيلة، القائمة على الاحترام المتبادل، والمودة الأخوية، وحسن الجوار.وأمام التحديات العالمية والإقليمية المحيطة بدول مجلس التعاون، تقول الحكمة التاريخية للقادة المؤسسين، إن قوة الخليج تكمن في وحدته، وأن أمنه واحد ومستقبله واحد أيضاً. والرهان اليوم ليس فقط على حماية الحدود الجغرافية ومقدرات الطاقة، بل على صون العقول وتحصين الوعي المشترك من الاختراقات الممنهجة ونزعات الشر الهدامة.