في مساءات صيفية درجة حرارتها لاهبة، تبدو ملاعب التدريب في الخرج مثل ورش عمل صغيرة تُدار على إيقاعين متوازيين: إيقاع سريع يلاحق الزمن قبل صافرة البداية، وإيقاع أبطأ تفرضه الحسابات المالية؛ هنا تبدو الاستعدادات ليست بعدد الحصص التدريبية فقط، بل بمدى قدرة كل ناد على تحويل الرغبة إلى برنامج، والطموح إلى قائمة مكتملة، والوعود إلى صعود! يدخل موسم 2026–2027 على أندية محافظة الخرج بصورة أكثر هدوءاً في شكلها الإداري مقارنة بمواسم سابقة، مع وضوح أكبر في قراءة احتياجات الفرق وتحديد أولويات الإعداد، غير أن المشهد لا يخلو من عامل ضاغط يتكرر حضوره كل صيف، ألا وهو التذبذب المالي، ذلك العامل الذي لا يظهر في العناوين العريضة بقدر ما يظهر في التفاصيل؛ وفي تأخر إغلاق ملفات تجديد، وفي صفقات تتراجع إلى قائمة الانتظار، وفي خيارات فنية تضيق بحكم عدم انتظام الموارد وتوازن المصروفات مع متطلبات موسم طويل! الشعلة بين «الخصخصة» والمنطقة الرمادية! على مستوى الدرجة الثانية، يقف نادي الشعلة في منطقة رمادية منذ إعلان الخصخصة، منطقة تُكثر الأسئلة وتُقلل الإجابات؛ فحتى الآن لا تتبدى ملامح برنامج إعداد واضح، ولا تُعلن تفاصيل صفقات أو تحركات، وهو ما ينعكس على صورة النادي في عيون جماهيره كملف مفتوح على أكثر من سيناريو: هل هو صيف ترتيب خلف الكواليس؟ أم صيف جمود إداري ينتظر اتضاح الرؤية وتحديد المسار؟ وما يزيد المشهد التباساً أن المؤشرات تُوحي بأن إدارة النادي اصطدمت بعوائق متعددة؛ تنظيمية ومالية وإجرائية، جعلتها أقل حماسة واندفاعاً نحو ترجمة تطلعات الجمهور إلى خطوات ملموسة، لتتحول مرحلة ما قبل الموسم من نافذة تفاؤل إلى حالة ترقب، عنوانها: تأخر القرار والإعداد! الكوكب في المقابل، يبدو الكوكب بحسب مؤشرات التحرك الأكثر نشاطاً بين أندية الخرج في التحضيرات المرتبطة بتجهيز الفريق للموسم الجديد، نشاط لا يقتصر على فكرة «التعاقدات» كونها خبراً، بل على ترتيب القائمة ومعالجة الاحتياجات مبكراً، بما يمنح الجهاز الفني مساحة أوسع للتركيب والتجربة، ويقلل كلفة الوقت حين يقترب موعد المنافسات، كما أنه أطلق مبادرة مجتمعية لاقت تفاعل وإعجاب الكثيرين، بعنوان «وفاء الكوكب»، تقوم على إطلاق أسماء عدد من رجالات النادي الراحلين ممن خدموه بإخلاص عبر مراحله المختلفة على جولات مباريات الفريق في هذا الموسم، في خطوة تستهدف حفظ الذاكرة، وتكريم العطاء، وترسيخ قيمة الوفاء! الشرق أما الشرق، فاختار الدخول مبكراً في أجواء الموسم عبر منح الدفة للمدرب الوطني الخبير سلطان خميس، خطوة تحمل دلالتين واضحتين: تثبيت النهج الفني، والبدء في رفع الجاهزية تدريجياً من خلال العمل الميداني وتجربة العناصر على مدى زمني كافٍ؛ وفي كرة القدم تحديداً، قد يكون «الوقت» صفقة لا تقل قيمة عن أي اسم يُعلن في سوق الانتقالات، بالإضافة إلى قرار إقامة الفريق معسكره الإعدادي في مدينة الطائف ضمن برنامج التحضير للموسم الجديد، ويعزز كل ذلك من حالة التفاؤل لدى جماهيره بأن الصعود بات هدفاً واقعياً، في ضوء ما قدمته إدارة حمد العويدان خلال الموسمين الماضيين؛ إذ نافس الفريق في الموسم الأول وظهر بمستويات فنية جيدة، فيما جاء الموسم الماضي بنتائج أقل من سقف التوقعات، فيما هذا الموسم تبدو أكثر جدية بالوصول في المنافسة إلى أبعد نقطة ممكنة إن لم يكن الصعود! السد يعيد ترتيب أوراقه والسلمية يراهن على الاستقرار! في الدرجة الثالثة، تتجه الأنظار إلى نادي السد بعد هبوطه من الدرجة الثانية، إذ يستعد لمرحلة إعادة ترتيب فنية وإدارية تتجاوز فكرة التعويض السريع إلى سؤال أعمق: كيف تُبنى العودة؟ وكيف تُدار التفاصيل الصغيرة التي تصنع فريقاً قادرًا على المنافسة؟ ويأتي ذلك مع استمرار الإدارة بالتكليف منذ الموسم الماضي بقيادة الأستاذ رجا الدوسري، في مرحلة تتطلب قرارات دقيقة وتوازناً بين الإمكانات والهدف، والأقرب للواقعية أن «العودة» قد لا تكون حصاداً لهذا الموسم، بل قد يحتاج وقتاً وتدرجاً، لكن التحدي الأكبر ألا يتحول إلى انزلاق جديد نحو درجة أدنى، من هنا، تصبح الأولوية أن يُقدم السد مستويات ثابتة تمنح الجماهير إشارات تفاؤل للمقبل حتى لو تأخرت العودة قليلاً، لأن الأهم أن يتوقف النزيف، ثم يبدأ التفكير بالصعود بخطوات محسوبة! السلمية وعلى الطرف الآخر، يتحرك السلمية بطموحات كبيرة، حتى وإن اتسمت بعض تعاقداته بطابع التكرار، فإن المأمول أن تتجه الإدارة نحو «النوعية» عبر 3 إلى 4 إضافات قادرة على حمل الفريق وصناعة الفارق في لحظات الموسم الثقيلة، بما يرفع سقف الطموح والمسار بصورة أكثر جرأة، ويدعم هذا التوجه رهان النادي على التعاقد مع المدرب الوطني ماجد الطفيل، إلى جانب الاستقرار الإداري بعد انتهاء الدورة الأولى لرئيس النادي منصور العبيد واستعداده لبدء دورة ثانية، عقب عدم تقدم أي مرشح عند فتح باب الترشح قبل أسابيع! ولعل هذا الأمر أفضليته حين يصبح الاستقرار قيمة فنية بحد ذاته؛ لأنه يخفف التشتت، ويمنح العمل فرصة للتماسك، ويجعل القرارات أكثر فاعلية، وبعد أربع سنوات من العمل والتجربة، تبدو الصورة الآن أوضح للإدارة من حيث معرفة الأولويات وتحديد الاحتياج الحقيقي، وعندها سيكون التوفيق وبلوغ الهدف من نصيبهم بإذن الله! الجمهور ينتظر موسماً مختلفاً وسط هذا التفاوت في وتيرة الإعداد بين ناد وآخر، يبقى القاسم المشترك هو انتظار الجمهور لموسم مختلف، موسم تتحول فيه الطموحات إلى نتائج ملموسة على أرض الملعب، وتجد المدرجات سبباً إضافياً للعودة والالتفاف حول فرقها! هكذا يبدو صيف الخرج: أندية تحاول أن تُنهي ما يمكن إنهاؤه قبل أن يبدأ الامتحان الحقيقي، وأخرى تتعثر في أسئلة الإدارة والتمويل وضبابية القرار، وبينهما جمهور يرى في الموسم الجديد فرصة لعودة الروح إلى المنافسة، وسيكتب أرض الملعب الإجابة الأصدق: هل كان هذا الصيف مجرد حركة في السوق؟ أم كان تأسيسًا لموسم يستحق أن يُقال عنه فعلاً (2026–2027) مختلف! حمود فالح السبيعي- الرياض