صيف أوروبا لم يعد كما كان: موجات الحر تعيد رسم خريطة السياحة

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

كان المشهد الأوروبي، حتى وقت قريب، مألوفاً إلى حد التكرار. مع بداية تموز (يوليو)، تمتلئ شواطئ إسبانيا واليونان وإيطاليا وجنوب فرنسا، وترتفع نسب إشغال الفنادق إلى أقصاها، وتتحول مدن البحر المتوسط إلى قبلة لملايين السياح الآتين من مختلف أنحاء العالم. كانت المعادلة بسيطة: كلما اشتد الحر، ازداد الإقبال على البحر.اليوم، لم تعد تلك المعادلة تعمل بالسهولة نفسها. الحرارة التي شكّلت لعقود من الزمن جزءاً من جاذبية الصيف الأوروبي، بدأت، إذ تتجاوز منذ سنوات حدوداً معينة، تدفع كثيرين إلى إعادة التفكير في موعد الإجازة، وأحياناً في وجهتها أيضاً. لم يعد السائح يسأل فقط عن الفندق أو الشاطئ أو تكلفة الرحلة، بل بات يسأل قبل كل شيء: كم تبلغ درجة الحرارة هناك؟

خريطة توضح التحولات التي فرضتها موجات الحر في السياحة بأوروبا (النهار)

لا يعني ذلك أن أوروبا تواجه أزمة سياحية، ولا أن ملايين الزوار بدأوا يهجرونها. بل على العكس تماماً. ترسم الأرقام الرسمية صورة مختلفة، إذ سجّل الاتحاد الأوروبي خلال عام 2025 نحو 3.08 مليارات ليلة مبيت في منشآت الإقامة السياحية، بزيادة اثنين في المئة مقارنة بعام 2024، وهو مستوى قياسي جديد. واستمر هذا الزخم في مطلع عام 2026، إذ بلغ عدد ليالي المبيت 471.1 مليون ليلة خلال الفصل الأول، بزيادة 3.4 في المئة عن المدة نفسها من العام السابق. هذه الأرقام، الصادرة عن "يوروستات"، لا توحي بقطاع يتراجع، بل بقطاع يواصل النمو، وإن كان يفعل ذلك وفق قواعد مختلفة عما اعتاد عليه.

مطار رواسي - شارل ديغول رواسي بالقرب من باريس في فرنسا. (أ ب)

المفوضية الأوروبية للسفر تصل إلى خلاصة مشابهة. وفق أحدث استطلاعاتها، يخطط 82 في المئة من الأوروبيين للسفر بين نيسان (أبريل) وأيلول (سبتمبر) 2026، وهي أعلى نسبة تُسجَّل منذ عام 2020. غير أن أهمية هذا الرقم لا تكمن في حجمه فحسب، بل في ما يخفيه من تغير في سلوك المسافرين. لا تزال الرغبة في السفر قوية، لكن اختيار موعد الرحلة أو وجهتها أصبحا يتسمان بمرونة أكبر من أي وقت مضى. بمعنى آخر، لم يعد السؤال المطروح هو: هل سيسافر الأوروبيون؟ بل أصبح: متى وإلى أين؟لسنوات طوال، كان قطاع السياحة الأوروبي يبني حساباته على فرضية تكاد أن تكون بديهية: شهرا تموز وآب (أغسطس) هما موسم الذروة، وكل ما عداهما يأتي في المرتبة الثانية. لكن موجات الحر المتكررة بدأت تربك هذه القاعدة. الإجازة التي كانت تُحجَز تلقائياً في ذروة الصيف، بات كثيرون يفضلون تقديمها إلى أيار (مايو) أو حزيران (يونيو)، أو تأجيلها إلى أيلول وتشرين الأول (أكتوبر)، حين تصبح درجات الحرارة أكثر اعتدالاً، والازدحام أقل، وتكون الأسعار في كثير من الأحيان أكثر جاذبية.لا يتعلق الأمر بانطباعات فردية، بل باتجاه ترصده المؤسسات الأوروبية نفسها. تشير دراسة أعدها المركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية إلى أن ارتفاع متوسط حرارة الأرض ثلاث أو أربع درجات مئوية، قد يدفع الطلب السياحي الصيفي في المناطق الساحلية الجنوبية إلى التراجع بنحو 10 في المئة، في مقابل زيادة تقارب خمسة في المئة في السواحل الشمالية للقارة. وتتوقع الدراسة أن يشهد نيسان أكبر نمو في الحركة السياحية، بينما يصبح تموز أكثر الأشهر عرضةً لتراجع الطلب. هذه الأرقام لا تعني أن الصيف الأوروبي يقترب من نهايته، لكنها تعني أن مفهوم "موسم الذروة" نفسه لم يعد ثابتاً كما كان.وعلى رغم ما يُقَال كله عن انتقال السياح نحو الشمال، يبدو الحديث عن تراجع البحر المتوسط سابقاً لأوانه. لا تزال إسبانيا، وإيطاليا، واليونان، وفرنسا، والبرتغال، تحتل مواقع متقدمة بين أبرز الوجهات الأوروبية استقطاباً للزوار، في حين يبقى البحر المتوسط الوجهة الأولى لملايين المسافرين الآتين إلى القارة كل عام.لكن ما يتغير ليس شعبية هذه البلدان، بل الطريقة التي يُوزَّع فيها الطلب على مدار السنة. الفنادق التي كانت تعتمد على أسابيع قليلة تحقق خلالها الجزء الأكبر من إيراداتها، أصبحت أكثر اهتماماً بجذب الزوار في الربيع والخريف، والعمل على إطالة الموسم السياحي بدلاً من تكثيفه في فترة قصيرة. وهذا تحول ليس بسيطاً. لم يعد نجاح الموسم يُقَاس فقط بعدد الزوار، بل بقدرة الوجهة على استقبالهم خلال مدة أطول، وبمعدلات إشغال أكثر استقراراً، بعيداً من الازدحام الشديد الذي كان يميز أشهر الصيف.

طائرات للخطوط الفرنسية في مطار شارل ديغول. (Getty)