صور إنقاذ/ غرق النوبة

أصعد الدرج المؤدي لبيت المعماري المصري من ميدان القلعة حيث جامعي الرفاعي والسلطان حسن، مُنعطفةً إلى اليسار، متجاوزةً قهوة كراسيها مبعثرة قبل أن أدلف إلى الداخل. المكان مظلم بعض الشيء، أهبط السلالم القليلة المؤدية نحو القبو حيث «معرض اليونسكو لحفظ آثار النوبة من الغرق». أنظر حولي، لا أحد هناك. تتوزع اللوحات على صفين متقابلين، أقترب من كل واحدة ممسكة بكشاف هاتفي. سجل المعرض التابع لليونسكو ما التقطه مصورو المؤسسة الأممية منذ أكتوبر 1959 لإنقاذ آثار مصر خلال بناء السد العالي الذي هدد مناطق على رأسها النوبة بناسها وبيوتها ومعابدها. تدخلنا صور اليونسكو البانورامية إلى قلب الأحداث، فنقف مع مَن وقفوا من السُكان المحليين وقتها عند معبد «الدر»، ونعاين بمسحة من القلق ارتفاع منسوب المياه. نبتعد متنقلين إلى مشاهد أكثر صمتًا كمعبد أبو سمبل ووادي السبوع (الكباش) وتاج تمثال أبو الهول ومعبد فيلة المغمور جزئيًا. لا نزال داخل الصور، يتناهى إلى أسماعنا إطلاق المدير العام لليونسكو الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة، في الثامن من مارس 1960، انكباب الخبراء على دراسة قدس أقداس المعبد الكبير، تماثيل رع حور آختي ورمسيس الثاني وآمون رع وبتاح. يمضي العام تلو الآخر، وينحني مهندس سويدي ممسكًا مثقاب ماس لاختبار شدة تحمل الصخر، فيما تمتد خلفه خطوط الأنابيب، لتقرير الطريقة المُثلى لإزاحة آثار المعبد دون التسبب في انهيار. «هو دا بس المعرض؟» التفتُ لمصدر الصوت، أغمغمُ: نعم، على ما يبدو. يطرق رأسه كمن خانه توقع لا أحد بخلافه يعرفه. نظرتُ حولي فوجدت امتدادًا فارغًا للمكان، هل كان بوسع اليونسكو ملأه بالمزيد من التفاصيل؟ يستغرق الأمر قرابة ثلاث سنوات لبدء المرحلة التالية من تفكيك أبو سمبل. يزدحم الموقع بأكوام من الرمال ومعدات الحفر والسقالات والقضبان المعدنية الطويلة إلى حد يستحيل معه التحرك فيه. فيما تجمعت الرافعات لقطع واجهة المعبد الكبير تدريجيًا. ينتقلون بعدها إلى رؤوس التماثيل الأربعة التي احتلت مساحة واسعة، يضعونها في مخزن مؤقت. ليعيدوا فيما بعد تجميعها مع القطع الأخرى في الموقع الجديد. بحلول سبتمبر 1968 ينتهي العمل رسميًا في أبو سمبل، يتجمهر الناس ونكون معهم من جديد. وعلى مبعدة، كانت المياه تحاصر معبد فيلة، الذي لم يكن هناك بد من نقله إلى جزيرة أجيلكا التي تعلوها في الارتفاع، لنرى معماريًا سويسريًا يرسم معبد إيزيس، ويظل العمل على فيلة مستمرًا لسنوات. بقيت الصور حاضرة في ذهني لبعض الوقت تستدعي استفهامات، هل أنقذت اليونسكو الآثار بأكملها، أم أن هناك أماكن غفلوا عنها، لم يتمكنوا من النفاذ إليها؟ متى انحسرت المياه التي كادت أن تغمر أبو سمبل وفيلة، وما الذي خالج النوبيين الذين عايشوا كل تلك الأحداث؟ وثق المعرض مهمة اليونسكو بعناية بالغة، لم أضل المكان ولا الزمان المؤرخ في أي من الصور، وعلى تلك الرمال التي سكبت الشمس أشعتها عليها لمست جهد العمال والمهندسين المضني، فيما تبخرت الوجوه لأنها مرت كجزء من مشهد أكبر قبل التمكن من تمييز ما فيها. أنقل نظري بين الأعمدة في البيت العتيق الذي ضم كل تلك الصور، المنزل الذي سكنه سابقا المعماري المصري حسن فتحي ولا يزال مكتبه فيه، والذي صادف أن جزءًا من فلسفة فتحي اكتمل حين تبنى جزءًا من نماذج البناء النوبي، من الأسقف التي تتخذ هيئة قباب أو نصف دائرية إلى البنائين النوبيين الذي استعان بهم لتعليم القرويين والفقراء هندسته التي اتكلت على البساطة والمواد الموجودة في محيطهم سلفًا. ليتبدى لي أن الهدوء المخيم على المكان وخلوه من الناس خلفية محكمة لتصوير ذلك الجانب من الحكاية التي لا تُحكى بالكامل رغم الصور والسنين. The post صور إنقاذ/ غرق النوبة first appeared on Mada Masr.