صوت الهند بالعربية… حين صار الأثير جسراً بين حضارتين – عمرو أبوالعطا

في تاريخ العلاقات بين الشرقين الكبيرين، الهند والعالم العربي، لحظات تتجاوز حدود السياسة والتجارة، لحظات تتشكل فيها جسور خفية من الثقافة واللغة والصوت. ومن بين تلك اللحظات تظهر تجربة الإذاعة العربية في الهند باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الإعلامية دلالة على قدرة الكلمة المسموعة على اختصار المسافات بين الشعوب، وعلى تحويل الأثير إلى جسر ممتد بين حضارتين عريقتين تقاطعت طرقهما عبر قرون طويلة من التاريخ.

تعود جذور العلاقة بين الهند واللغة العربية إلى قرون بعيدة، حيث كانت اللغة العربية حاضرة في شبه القارة الهندية من خلال التجارة والرحالة والعلماء الذين جابوا البلاد، ومن خلال المساجد والمدارس الدينية التي احتضنت تعليم هذه اللغة فصارت جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي الهندي.

هذا الإرث اللغوي والثقافي العريق مهد الطريق لظهور الإذاعة العربية في الهند، فوجود قاعدة من المتحدثين بالعربية واهتمام تاريخي بالثقافة العربية شكلا بيئة خصبة لنمو هذا المشروع الإعلامي الكبير.

الهند بكونها بوتقة للحضارات احتضنت اللغة العربية كجزء من تنوعها اللغوي الغني، مما جعلها موقعاً طبيعياً لانطلاق بث إذاعي موجه للعالم العربي يعبر عن وجهة نظرها ويقدم ثقافتها بأجمل صورة.

في عام 1930 ظهرت نواة الإذاعة الحكومية في الهند، لتشكل حجر الزاوية في المشهد الإذاعي الهندي، وجاء تأسيسها في فترة شهدت فيها الهند حراكاً سياسياً واجتماعياً كبيراً، وكانت الإذاعة آنذاك وسيلة حديثة وفعالة للتواصل مع الجماهير.

تطورت الإذاعة لتصبح شبكة واسعة تغطي معظم أنحاء البلاد، وتقدم برامج متنوعة بالعديد من اللغات الهندية والإنجليزية، وفي عام 1936 تحولت خدمة البث الهندية الحكومية إلى إذاعة عموم الهند فصارت مؤسسة وطنية تابعة للحكومة الهندية، وهذا التحول منح الإذاعة صفة رسمية ووسع من نطاق عملها وأسهم في ترسيخ مكانتها كصوت للهند.

مع مرور الوقت تطورت لتصبح واحدة من أكبر شبكات البث الإذاعي في العالم، وتعرف رسمياً باسم آكاش فاني منذ عام 1956 وتشرف عليها مؤسسة براسار بهاراتي من عام 1997 م.

شهد يوم الثاني والعشرين من أبريل عام 1941 حدثاً تاريخياً مهماً، فقد انطلق البث الأول للبرنامج باللغة العربية على أثير إذاعة عموم الهند، وهذا التاريخ يسبق استقلال الهند بعدة سنوات مما يؤكد الرؤية الاستراتيجية للحكومة الهندية آنذاك. القرار ببدء بث عربي يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية المنطقة العربية ورغبة في بناء قنوات اتصال مباشرة معها في فترة حرجة شهدت فيها الساحة الدولية تحولات كبيرة، والدوافع وراء هذا القرار كانت متعددة فالهند كقوة صاعدة سعت إلى تعزيز نفوذها الدبلوماسي والثقافي في العالم، والمنطقة العربية بمركزها الجغرافي الاستراتيجي وأهميتها الثقافية والدينية شكلت هدفاً طبيعياً لهذا التوجه، والإذاعة كوسيلة حديثة وفعالة قدمت فرصة فريدة للتواصل المباشر مع الشعوب العربية وتقديم وجهة النظر الهندية حول القضايا الإقليمية والدولية.

بعد حصول الهند على استقلالها في أغسطس عام 1947 اضطلع مولانا أبو الكلام آزاد أول وزير للتعليم في الهند المستقلة بدور محوري في تعزيز العلاقات الهندية العربية، فقد كان آزاد شخصية فكرية وسياسية بارزة أدرك أهمية الإعلام كوسيلة لتقوية الروابط الثنائية، فأولى اهتماماً خاصاً بالقسم العربي ورأى فيه أداة فعالة لمد جسور التفاهم الثقافي والدبلوماسي.

آزاد بصفته مهندس السياسة الثقافية الخارجية للهند عمل على توجيه القسم العربي ليعكس التطلعات الهندية ويقدم محتوى يخدم أهداف التقارب بين الهند والعالم العربي، وإسهاماته تجاوزت الجانب الإداري لتشمل الجانب الفكري فقد شجع على إنتاج برامج تعزز التبادل الثقافي وتظهر القواسم المشتركة بين الحضارتين، وهذا الدعم الرسمي منح القسم العربي دفعة قوية وساعده على ترسيخ مكانته كصوت موثوق للهند في العالم العربي.

بعد عام 1948 شهدت الإذاعة إعادة هيكلة إدارية فقسمت إلى وحدتين رئيسيتين هما وحدة الخدمات الوطنية ووحدة الخدمات الخارجية، وصار القسم العربي جزءاً أساسياً من وحدة الخدمات الخارجية التي تخصصت في بث البرامج بلغات أجنبية إلى مناطق مختلفة من العالم. هذا الترتيب الإداري يؤكد الأهمية الاستراتيجية للقسم العربي فقد كان يمثل واجهة الهند الإعلامية نحو العالم العربي، والأهداف السياسية والثقافية للبث الخارجي تضمنت تقديم وجهة النظر الهندية حول القضايا الدولية وتعزيز صورة الهند كدولة مستقلة ذات سيادة وتسعى إلى بناء علاقات ودية مع جميع الدول، والقسم العربي بصفته جزءاً من هذه الوحدة اضطلع بهذه المهام بفعالية فصار صوتاً للهند يصل إلى ملايين المستمعين في المنطقة العربية.

في بدايات القسم العربي ، واجهت الإدارة تحدياً يتمثل في ضمان جودة المحتوى واللغة، فقد أدركت سلطات الإذاعة أهمية تقديم برامج باللغة العربية الفصحى السليمة وبأسلوب يجذب المستمع العربي، وهذا الأمر استدعى توظيف مذيعين عرب مؤهلين يمتلكون ناصية اللغة ويتمتعون بخبرة إذاعية، والسبب وراء هذا التوجه يعود إلى الاعتقاد السائد آنذاك أن الهنود رغم إتقانهم للغة العربية لأغراض دينية وتراثية قد يفتقرون إلى الطلاقة في اللغة العربية الحديثة المحكية والمستخدمة في الإعلام. هذا التوجه نحو استقطاب الكفاءات العربية أثرى القسم بشكل كبير فقد جلب إليه أصواتاً متميزة وخبرات إذاعية متراكمة، والمذيعون العرب الذين قدموا من دول عربية مختلفة خاصة من جمهورية مصر العربية أسهموا في رفع مستوى الأداء اللغوي والبرامجي، والروابط التاريخية والثقافية بين الهند ومصر والتي تعود إلى قرون طويلة سهلت هذا التبادل وجعلت من مصر مصدراً رئيسياً للمواهب الإذاعية العربية.

شهد القسم العربي مرور كوكبة من المذيعين العرب الذين تركوا بصمات واضحة في تاريخ الإذاعة، فهؤلاء الرواد بأصواتهم المميزة وأدائهم المتقن أسهموا في بناء جسور التواصل مع الجمهور العربي. من أبرز هذه الأسماء التي ارتبطت بالقسم العربي محمود سباع الذي يعد من أوائل المذيعين العرب الذين انضموا إلى القسم واضطلع بدور ريادي في تأسيس الهوية الإذاعية العربية للهند، وعصام صادق الذي أسهم في تطوير البرامج الإذاعية وقدم محتوى متنوعاً يجمع بين الثقافة والترفيه، وأحمد لطفي شلش المذيع المصري البارز الذي جلب معه خبرة إذاعية من العالم العربي وأثرى القسم بأسلوبه الاحترافي في تقديم الأخبار والبرامج الثقافية، ونورة وفوزية توفيق من الأصوات النسائية المبكرة التي شقت طريقها في عالم الإذاعة وقدمت برامج متنوعة أسهمت في إضفاء طابع خاص على البث العربي، وسامي هاتو المذيع العربي الآخر الذي قدم إسهامات قيمة في البرامج الإذاعية وساعد في ترسيخ مكانة القسم كمنبر إعلامي عربي متميز.