في تعرّجات الجغرافيا السياسية الإقليمية، كثيراً ما تسقط الأقنعة، فتظهر المسافة الفاضحة بين الشعارات التي تُرفع والمشروعات التي تُخدم، وبين الخطاب الذي يدّعي نصرة الأمة والسلاح الذي يُوجَّه إلى قلبها، وحين تُطلق مليشيا الحوثي صواريخها ومسيّراتها نحو بلاد الحرمين الشريفين، ثم يبلغ بها الصلف حد توجيه الخطر صوب مكة المكرمة ذاتها، مهبط الوحي وقبلة المسلمين، فإننا لا نكون أمام حادث عسكري عابر، ولا أمام تفصيل يمكن تذويبه في سياق مواجهة إقليمية؛ بل أمام فعل يكشف طبيعة المشروع، ويحدد موقعه الحقيقي، ويفضح الجهات التي تتقاطع مصالحها مع نتائجه.
لقد أعلنت السعودية في وقائع سابقة اعتراض صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه مكة المكرمة، ومنها صاروخ اعترضته الدفاعات الجوية عام 2016 على مسافة 65 كيلومتراً من المدينة، ثم صاروخ آخر أُعلن اعتراضه باتجاه مكة في يوليو/ تموز 2017، وفي سبتمبر/ أيلول 2026، أعلن التحالف اعتراض مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة، هذه الوقائع بما تحمله من دلالة ومآل تجعل العبارة أكثر وضوحاً: لم يعد الحديث عن استهدافٍ عام للأراضي السعودية فحسب، بل عن تهديد بلغ تخوم مكة بتوجيه سلاحه نحوها.
إن استهداف بلاد الحرمين اعتداء على سيادة دولة ومقدرات شعب، وتوجيه السلاح نحو مكة المكرمة فيضيف إلى الجريمة بعداً أعمق وأشد خطراً، لأنه يضع أقدس بقاع المسلمين في دائرة التهديد، ويصوّب رسالة عدوانية إلى وجدان أمة بأكملها، فمكة ليست مدينة في حسابات الجغرافيا العسكرية، ولا رقماً في خرائط النزاعات، بل قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، والمسّ بأمنها مساس بمعنى يتجاوز الحدود والسياسة إلى صميم العقيدة والهوية.
ترفع المليشيا الحوثية شعارات الموت والعداء لما تسميه «الاستكبار العالمي»، وتقدّم نفسها في خطابها الدعائي باعتبارها قوة تواجه الهيمنة وتحمل قضايا الأمة، لكن مسار الصواريخ يكشف، على نحو لا تستطيع الشعارات حجبه، إلى أين تشير البوصلة الحقيقية، فحين تُسلَّط الترسانة العسكرية على بلاد الحرمين، وحين يتجه الخطر صوب مكة المكرمة، تسقط الدعاوى أمام الفعل، ويصبح الهدف الميداني أكثر صدقاً من كل الخطب والهتافات.
أيُّ مقاومة هذه التي تجعل أرض الحرمين ميداناً لصواريخها؟ وأيُّ مشروع يدّعي الانتصار للمسلمين ثم يضع قبلتهم في دائرة التهديد؟ إن التناقض هنا ليس تفصيلاً لغوياً يمكن الالتفاف عليه، بل فضيحة أخلاقية وسياسية تكشف انحراف المشروع عن مصالح اليمن والمنطقة، وتحوله إلى أداة استنزاف موجهة نحو العمق العربي والإسلامي.
لا يحتاج المرء إلى الغرق في تأويل الشعارات كي يفهم الحقيقة، فالسلاح يعلن وجهته بنفسه، وعندما تُهدَّد المملكة، بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي، يكون المقصود إرباك مركز أساسي من مراكز استقرار المنطقة، وعندما يُوجَّه الخطر نحو مكة، فإن الرسالة تتجاوز استهداف الدولة إلى محاولة النيل من رمز الأمة الجامع، وإدخال المقدسات في حسابات الضغط والابتزاز والصراع.
إن إبقاء القوة العسكرية الحوثية مسلطة على بلاد الحرمين يقدّم خدمة استراتيجية ثمينة لكل مشروع يسعى إلى استنزاف المنطقة وإضعاف مراكز قوتها، فكل صاروخ يُطلق نحو المملكة يُراد له أن يربك أمنها ويستنزف قدراتها ويعطل مسيرة بنائها غير أن هذا الرهان يصطدم بصلابة الدولة وجاهزيتها، فلا يتحول التهديد إلى مكسب لمطلقيه، بل إلى شاهد جديد على فشل مشروعهم وعدائه للمنطقة، أما حين تكون الوجهة مكة المكرمة أو محيطها، فإن الخطر يكتسب بعداً أشد خبثاً، إذ تسعى المليشيا الحوثية، بتهديدها أمن البلد الحرام، إلى ابتزاز المملكة والضغط عليها، غير عابئة بحرمة المقدسات ولا بمشاعر المسلمين في أنحاء العالم.
وتلك، في جوهرها، إحدى أخطر صور الخدمة التي يمكن أن تؤديها أداة محلية لمصلحة مشروعات خارجية، فالقوى المتربصة لا تحتاج دائماً إلى أن تدخل المواجهة بوجه مكشوف، ولا إلى أن تتحمل كلفتها العسكرية والسياسية، يكفيها أن توجد جماعة تحمل السلاح من داخل المنطقة، وتتكلم بلغتها، وترفع بعض شعاراتها، ثم تنفذ ميدانياً ما يؤدي إلى تمزيق النسيج العربي واستنزاف دوله وتهديد مقدساته.
بهذا المعنى، لا يعود توجيه الصواريخ إلى بلاد الحرمين عملاً منفصلاً عن سياق أوسع، بل يتحول إلى وظيفة تخدم كل من يريد السعودية منشغلة بصد التهديد، والمنطقة غارقة في التوتر، واليمن أسير لمشروع لا يرى فيه وطناً ينبغي إنقاذه، بل منصة لإطلاق الصواريخ وتنفيذ أجندات النفوذ.
التخادم الوظيفي: اتفاق المصالح وإن غابت غرفة العمليات
لا يشترط «التخادم الوظيفي» وجود وثيقة موقعة أو غرفة عمليات مشتركة، فقد تتباعد الأطراف في الشعارات، بينما تتلاقى عملياً في النتائج، وقد يزعم كل طرف أنه يقاتل الآخر، فيما تؤدي أفعال أحدهما إلى تحقيق ما يعجز الآخر عن إنجازه مباشرة، ومن هنا تتضح خطورة الدور الحوثي: إنه يفتح ثغرة في الأمن القومي العربي، ويسعى لاستنزاف المنطقة ويضعها تحت ضغط متجدد، ويمنح خصوم المنطقة فرصة تحقيق أهدافهم بأداة لا تحمل أسماءهم ولا ترفع أعلامهم.
وحين يتجه التهديد إلى مكة، يصبح هذا التخادم أكثر انكشافاً، فليس ثمة ما يخدم القوى الظلامية أكثر من زعزعة الثقة بأمن المقدسات، أو محاولة بث الخوف في نفوس المسلمين، أو إظهار أقدس بقاعهم وكأنها أصبحت جزءاً من بنك أهداف جماعة مسلحة، وهنا لا تعود المسألة خلافاً سياسياً مع المملكة بل انحداراً إلى مستوى استباحة الرمز الذي يلتقي عنده أكثر من ملياري مسلم.
إن الجماعة التي تقبل لنفسها هذا الدور لا تستطيع الاحتماء إلى الأبد خلف عبارات المقاومة والسيادة، فمن يجعل اليمن منصة لتهديد جيرانه لا يدافع عن سيادته، ومن يوجّه سلاحه إلى بلاد الحرمين لا يحمي مصالح الأمة، ومن يضع مكة في مرمى الخطر لا يحمل مشروعاً للتحرر، بل يؤدي وظيفة تلتقي نتائجها مع غايات قوى التفكيك والفتنة.
تأتي التفاهمات التي تُدار في الكواليس، ومسارات التهدئة والتصعيد الانتقائية، لتثير سؤالاً لا يجوز القفز فوقه: من يعيد ضبط البوصلة كلما أوشكت على الانحراف عن الهدف المراد؟ ولماذا تتبدل مسارات الهجمات، بينما يبقى الضغط على المملكة خياراً حاضراً؟ ولماذا يُراد لبلاد الحرمين أن تظل تحت التهديد، ولمكة المكرمة أن تبقى في دائرة الخطر كلما احتاجت أجندات المنطقة إلى ورقة تصعيد جديدة؟
إن انتقائية الأهداف ليست تفصيلاً هامشياً، فعندما تنكفئ الهجمات عن مسارات بعينها ثم تتجه نحو السعودية، تظهر بوضوح هوية الطرف الذي يُراد استنزافه، وحين تتقدم المسيّرات نحو محيط مكة أو تُطلق الصواريخ باتجاهها، تتكشف طبيعة الرسالة: الضغط على المملكة لا بوصفها دولة محورية فحسب، بل بوصفها راعية الحرمين وحاضنة المقدسات ومركزاً من مراكز الثقل العربي والإسلامي.
وفي النتائج، تلتقي هذه الممارسات مع ما تتمناه قوى أخرى متطرفة ترى في استقرار السعودية وقوتها ومكانتها عائقاً أمام مشروعات تفكيك المنطقة وإعادة تشكيلها، وليس ضرورياً أن تتطابق الخطابات حتى تتقاطع المصالح، إذ تكفي وحدة النتيجة: استهداف المملكة، إنهاك محيطها، تشتيت طاقتها، وإبقاء المقدسات تحت ظلال التهديد.