صناعة الذكريات – حسن  بن مريّع

نحن لا نعيش الأيام، بل نعيش الذكريات التي تتركها فينا تلك الأيام. إن هذه الحقيقة البسيطة والعميقة تمثل جوهر الوجود الإنساني، إذ لا يكمن جمال الحياة في الأحداث المجردة بحد ذاتها، بل في الأثر الصادق الذي يبقى منها في قلوب البشر وعقولهم. فالذاكرة ليست مستودعاً يُكدس فيه الإنسان أرقاماً ومعلومات جافة، بل هي قصة حياته التي يحكيها لنفسه ليعرف من هو ويدرك قيمته.

هناك بون شاسع بين معلومة عامة يعرفها الجميع، وبين لحظة عاشها المرء بملء حواسه؛ يشم رائحتها ويتحسس حرارتها كلما لاحت في خاطره. الأولى معرفة باردة عابرة، بينما الثانية هي الروح التي تمنح العمر معناه وطعمه الحقيقي، وتجعل الإنسان يشعر بأنه كان حاضراً في هذا العالم ولم يعبره على الهامش.

وإن السر الذي يجعل الذكرى تنبض بالحياة ولا تشيخ أبداً هو «الاختيار». فعندما يُقدم الإنسان على فعلٍ ما بفضوله الحر ورغبته الخالصة، ينتبه عقله وتستيقظ مشاعره، فيحفر الموقف في وجدانه أثراً عصياً على النسيان.

والغريب أن أثمن ذكريات البشر لا تولد أبداً من رحم الخطط المحكمة والنتائج الخالية من العيوب، فالكمال لا يصنع ذكريات، بل يصنع تقارير رتيبة. وأمتع ما يرويه الناس في مجالسهم اليوم، وما يثير ضحكاتهم الصادقة أو شجونهم النبيلة، هي تلك العثرات العفوية، والمطبات غير المحسوبة، والقرارات الساذجة التي اتخذوها بكامل إرادتهم ودفعوا ثمنها نضجاً وتجربة.

لقد أدرك حكماء الأرض عبر التاريخ أن ما يتذوقه المرء بروحه ويكتشفه بعد عناء هو اليقين الراسخ، أما ما يتلقاه كأوامر جاهزة ويردده بشكل آليّ، فإنه يتبخر سريعاً كأنه لم يكن. وكذلك حين وقفوا على آثار الديار واستنطقوا الأطلال، لم يبكوا على الحجارة الميتة، بل استعادوا مغامراتهم ومسارات رحيلهم التي اختاروها بمحض إرادتهم؛ فالمرء لا يتذكر بصدق إلا ما كان هو بطل قصته فيه.

وانطلاقاً من هذا المعنى، يتضح أن أثمن ما في حياة الفرد هو ما خاضه بنفسه وصنعه باختياره. ليبرز لنا هنا جانب في غاية الأهمية، يخص تعامل الآباء والمربين مع أبنائهم ومن هم في محيطهم، فحين يرتب الأب رحلة عائلية بدقة وعناية شديدة، يوجه، ويأمر، ويصحح بحسن نية ليضمن أن يستمتع الجميع، فيبتسم الأبناء للكاميرا مجاملة وخوفاً من إفساد التدبير… ولكن حين تمضي الأيام تلو الأيام، لا يتذكر أحد منهم كل ذلك الترتيب، بل يتذكرون اللحظة العفوية التي تعثر فيها أحدهم أثناء تمرده البريء، أو تلك الزلة التي غلبت لسان أحدهم أثناء حديثه، أو مغامرةً أو تحد أو حتى حماقة… هذه هي الذكريات التي لا يستطيع أحد أن يصنعها لأحد، ولا يمكن استيرادها أو فرضها عبر التوجيه والإلحاح، مهما بلغ صدق النية وعمق الحب، فالإملاءات المتواصلة تصادر بهجة اللحظة وتسلب التجربة روحها، ليتحول الإنسان مع الوقت إلى مجرد ممثل في مسرحية كتبها وأخرجها غيره، فيمتلك ألبوماً حافلاً بالصور، لكنه يحمل ماضياً باهتاً خالياً من بصمته.

إن أقصى ما يملكه المرء، وأعظم ما يمكن أن يهديه لمن يحب، هو أن يتراجع خطوة إلى الوراء ليفتح لهم الأبواب برفق، ويوفر لهم الأفق الآمن الذي يتيح لهم أن يواجهوا الحياة بملء إرادتهم، فيجربون، ويخطئون، ويتعلمون كيف يعثرون على بهجتهم الخاصة.

وإن إتاحة المجال لهم ليختاروا مساراتهم، ويخوضوا تجاربهم بأنفسهم، حتى وإن تعثروا ثم نهضوا بجهدهم هي السبيل الأوحد لامتلاكهم ماضياً يستحق أن يُروى، فالذاكرة الحية لا تنقشها الإملاءات والتوجيهات، بل تحفرها يد أخطأت الطريق ثم وجدته بنفسها.

نحن لا نعيش الأيام، بل نعيش الذكريات التي تتركها فينا تلك الأيام. إن هذه الحقيقة البسيطة والعميقة تمثل جوهر الوجود الإنساني، إذ لا يكمن جمال الحياة في الأحداث المجردة بحد ذاتها، بل في الأثر الصادق الذي يبقى منها في قلوب البشر وعقولهم. فالذاكرة ليست مستودعاً يُكدس فيه الإنسان أرقاماً ومعلومات جافة، بل هي قصة حياته التي يحكيها لنفسه ليعرف من هو ويدرك قيمته.

هناك بون شاسع بين معلومة عامة يعرفها الجميع، وبين لحظة عاشها المرء بملء حواسه؛ يشم رائحتها ويتحسس حرارتها كلما لاحت في خاطره. الأولى معرفة باردة عابرة، بينما الثانية هي الروح التي تمنح العمر معناه وطعمه الحقيقي، وتجعل الإنسان يشعر بأنه كان حاضراً في هذا العالم ولم يعبره على الهامش.

وإن السر الذي يجعل الذكرى تنبض بالحياة ولا تشيخ أبداً هو «الاختيار». فعندما يُقدم الإنسان على فعلٍ ما بفضوله الحر ورغبته الخالصة، ينتبه عقله وتستيقظ مشاعره، فيحفر الموقف في وجدانه أثراً عصياً على النسيان.

والغريب أن أثمن ذكريات البشر لا تولد أبداً من رحم الخطط المحكمة والنتائج الخالية من العيوب، فالكمال لا يصنع ذكريات، بل يصنع تقارير رتيبة. وأمتع ما يرويه الناس في مجالسهم اليوم، وما يثير ضحكاتهم الصادقة أو شجونهم النبيلة، هي تلك العثرات العفوية، والمطبات غير المحسوبة، والقرارات الساذجة التي اتخذوها بكامل إرادتهم ودفعوا ثمنها نضجاً وتجربة.

لقد أدرك حكماء الأرض عبر التاريخ أن ما يتذوقه المرء بروحه ويكتشفه بعد عناء هو اليقين الراسخ، أما ما يتلقاه كأوامر جاهزة ويردده بشكل آليّ، فإنه يتبخر سريعاً كأنه لم يكن. وكذلك حين وقفوا على آثار الديار واستنطقوا الأطلال، لم يبكوا على الحجارة الميتة، بل استعادوا مغامراتهم ومسارات رحيلهم التي اختاروها بمحض إرادتهم؛ فالمرء لا يتذكر بصدق إلا ما كان هو بطل قصته فيه.

وانطلاقاً من هذا المعنى، يتضح أن أثمن ما في حياة الفرد هو ما خاضه بنفسه وصنعه باختياره. ليبرز لنا هنا جانب في غاية الأهمية، يخص تعامل الآباء والمربين مع أبنائهم ومن هم في محيطهم، فحين يرتب الأب رحلة عائلية بدقة وعناية شديدة، يوجه، ويأمر، ويصحح بحسن نية ليضمن أن يستمتع الجميع، فيبتسم الأبناء للكاميرا مجاملة وخوفاً من إفساد التدبير… ولكن حين تمضي الأيام تلو الأيام، لا يتذكر أحد منهم كل ذلك الترتيب، بل يتذكرون اللحظة العفوية التي تعثر فيها أحدهم أثناء تمرده البريء، أو تلك الزلة التي غلبت لسان أحدهم أثناء حديثه، أو مغامرةً أو تحد أو حتى حماقة… هذه هي الذكريات التي لا يستطيع أحد أن يصنعها لأحد، ولا يمكن استيرادها أو فرضها عبر التوجيه والإلحاح، مهما بلغ صدق النية وعمق الحب، فالإملاءات المتواصلة تصادر بهجة اللحظة وتسلب التجربة روحها، ليتحول الإنسان مع الوقت إلى مجرد ممثل في مسرحية كتبها وأخرجها غيره، فيمتلك ألبوماً حافلاً بالصور، لكنه يحمل ماضياً باهتاً خالياً من بصمته.

إن أقصى ما يملكه المرء، وأعظم ما يمكن أن يهديه لمن يحب، هو أن يتراجع خطوة إلى الوراء ليفتح لهم الأبواب برفق، ويوفر لهم الأفق الآمن الذي يتيح لهم أن يواجهوا الحياة بملء إرادتهم، فيجربون، ويخطئون، ويتعلمون كيف يعثرون على بهجتهم الخاصة.

وإن إتاحة المجال لهم ليختاروا مساراتهم، ويخوضوا تجاربهم بأنفسهم، حتى وإن تعثروا ثم نهضوا بجهدهم هي السبيل الأوحد لامتلاكهم ماضياً يستحق أن يُروى، فالذاكرة الحية لا تنقشها الإملاءات والتوجيهات، بل تحفرها يد أخطأت الطريق ثم وجدته بنفسها.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.