صناعة التأمين في السعودية.. قطاع حديث أم امتداد لتاريخ عالمي عريق؟ – د.فيصل خلف

عندما نتحدث عن صناعة التأمين، قد يعتقد البعض أنها صناعة حديثة ارتبطت بتطور الاقتصاد وظهور الشركات الكبرى والأسواق المالية، غير أن الحقيقة التاريخية تشير إلى أن جذور التأمين أقدم بكثير من صورته المعاصرة؛ فقد نشأت الحاجة إليه مع تطور التجارة وانتقال البضائع وتحمل التجار مخاطر السفر والخسائر.

في المملكة العربية السعودية، فقد مرت صناعة التأمين بمراحل متعددة، من الممارسات التأمينية عبر الشركات والوكالات الأجنبية إلى تأسيس الشركات المحلية وصدور الأنظمة التي تنظم السوق وتحدد مسؤوليات الجهات الرقابية.

ترجع الجذور التاريخية للتأمين إلى قرون مضت، حين سعى التجار إلى الحد من الخسائر المحتملة الناتجة عن غرق السفن أو تلف البضائع أو تعذر وصولها إلى وجهتها، وكانت الفكرة الأساسية تقوم على توزيع مخاطر الخسارة بدلًا من تركها على عاتق تاجر واحد، وهو مبدأ تطور لاحقًا ليصبح أساسًا من أسس صناعة التأمين الحديثة.

مع توسع التجارة البحرية الأوروبية، برزت إنجلترا ولاسيما مدينة لندن، بوصفها أحد المراكز المهمة لتطور التأمين الحديث. ففي عام 1601 صدر أحد أقدم التشريعات الإنجليزية المتعلقة بالتأمين البحري، ثم أصبح مقهى إدوارد لويد في لندن، خلال ثمانينيات القرن السابع عشر، ملتقى للتجار وأصحاب السفن والأطراف الراغبة في التأمين على الرحلات البحرية، ومن تلك البيئة التجارية تطور سوق لويدز في لندن، الذي أصبح أحد أبرز الأسماء في عالم التأمين وإعادة التأمين في العالم.

لم تكن إنجلترا وحدها صاحبة الإسهام التاريخي في هذه الصناعة؛ فقد أسهمت المدن التجارية الإيطالية، مثل جنوى والبندقية، في تطور العقود والممارسات المرتبطة بتغطية مخاطر التجارة البحرية خلال العصور الوسطى، كما شهدت ألمانيا تطور أشكال من التأمين التعاوني، فيما توسعت الولايات المتحدة في تأسيس شركات التأمين منذ القرن الثامن عشر.

من المهم التمييز بين أقدم الممارسات التأمينية، وأقدم الأسواق المنظمة وأقدم الشركات التي لا تزال تعمل حتى اليوم، فهذه مفاهيم مختلفة لا يمكن جمعها في تاريخ واحد، ومع ذلك تُعد إنجلترا من أبرز الدول التي أسهمت في تشكيل صناعة التأمين الحديثة، خصوصًا في مجالي التأمين البحري والتأمين على الممتلكات.

صناعة التأمين في المملكة العربية السعودية.. ما بين الجذور والتنظيم

إذا كان التأمين عالميًا يمتلك تاريخًا يمتد لقرون، فهل يمكن وصف صناعة التأمين في السعودية بأنها حديثة؟

تعتمد الإجابة على المقصود بصناعة التأمين، إذا كان الحديث عن التعاون في تحمل الخسائر، فإن هذه الفكرة عرفتها المجتمعات منذ القدم، ومنها مجتمعات شبه الجزيرة العربية، حيث كان التعاون بين الأسر والقبائل والأقارب وسيلة لمساندة من يتعرض للضرر، غير أن هذه الممارسات الاجتماعية لا تُعد مطابقة للتأمين التجاري الحديث، الذي يقوم على عقود ووثائق وشركات متخصصة وإطار نظامي محدد.

أما سوق التأمين السعودي بصورته المؤسسية الحديثة، فقد تطور على مراحل متتابعة، فقبل صدور نظام مراقبة شركات التأمين التعاوني، كانت هناك ممارسات تأمينية وشركات ووكالات تعمل في السوق، ثم بدأت مرحلة جديدة مع تطور الشركات المحلية وصدور التشريعات المنظمة للنشاط.

من أبرز المحطات التاريخية في هذا المسار تأسيس الشركة الوطنية للتأمين التعاوني عام 1985، التي عُرفت لاحقًا باسم الشركة التعاونية للتأمين، لتكون إحدى العلامات المهمة في تطور قطاع التأمين المحلي.

وفي عام 1999، صدر نظام الضمان الصحي التعاوني، الذي مثّل خطوة مهمة في تنظيم التأمين الصحي في المملكة، وتعزيز دوره في توفير التغطية الصحية للمستفيدين وفق الأطر النظامية المعتمدة.

ثم جاءت المحطة المفصلية في عام 2003، عندما صدر نظام مراقبة شركات التأمين التعاوني بالمرسوم الملكي رقم م/32 بتاريخ 31 يوليو2003، ليضع إطارًا نظاميًا لممارسة نشاط التأمين والإشراف عليه. وتبع ذلك صدور اللائحة التنفيذية في عام 2004، ثم انتقال الشركات القائمة إلى مرحلة توفيق أوضاعها وفق المتطلبات التنظيمية الجديدة.

وتكشف هذه المحطات أن عام 2003 لا يمثل بداية وجود التأمين في السعودية، بل يمثل مرحلة مهمة في تنظيم السوق وتطوير بنيته المؤسسية.

هناك فرق جوهري بين تاريخ بدء ممارسة النشاط وتاريخ صدور النظام الذي ينظمه.

عند البحث عن أقدم الدول في صناعة التأمين، ينبغي أولًا تحديد نوع التأمين المقصود، فالتأمين البحري يختلف تاريخيًا عن التأمين على الحياة أو الممتلكات أو التأمين التعاوني.

تُعد إنجلترا من أبرز الدول الرائدة في التأمين الحديث، إذ أسهمت لندن في تطوير سوق التأمين البحري، ثم توسعت مكانتها لتشمل مجالات متعددة من التأمين وإعادة التأمين. وقد ساعد تطور التجارة الدولية والنشاط البحري على ترسيخ دورها مركزًا رئيسيًا لهذه الصناعة.

أما إيطاليا، فقد كان للتجار في مدنها البحرية دور بارز في تطور الممارسات والعقود المرتبطة بالتأمين على التجارة والسفن. وفي ألمانيا، تطورت أشكال التأمين التعاوني، ولا سيما التأمين ضد الحريق، بينما شهدت الولايات المتحدة نموًا في شركات التأمين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

لذلك لا يمكن الجزم بأن دولة واحدة هي الأقدم في جميع أنواع التأمين؛ فالتاريخ يختلف باختلاف طبيعة النشاط ومفهوم التأمين المستخدم، لكن يمكن القول إن إنجلترا وإيطاليا تمثلان محطتين أساسيتين في تطور التأمين البحري الأوروبي، في حين أسهمت دول أخرى في تطوير التأمين التعاوني والتأمين على الممتلكات والحياة.

كيف نقيس تطور صناعة التأمين في السعودية؟

إن تقييم نضج صناعة التأمين لا يعتمد على عدد السنوات التي مرت منذ تأسيس أول شركة فحسب، بل يرتبط أيضًا بمدى تطور الأنظمة والرقابة، وكفاءة إدارة المخاطر، وتنوع المنتجات التأمينية، ومستوى الوعي لدى الأفراد والمنشآت، وقدرة الشركات على الابتكار وتلبية احتياجات السوق.

من هذا المنطلق شهد سوق التأمين السعودي تحولًا مهمًا مع بناء إطار تنظيمي أكثر وضوحًا لممارسة النشاط، وقد أسهمت الأنظمة في تحديد المتطلبات المتعلقة بتأسيس الشركات وممارسة الأعمال التأمينية والإشراف عليها، بما يدعم تنظيم السوق وحماية حقوق الأطراف المعنية.

كما أن نموذج التأمين التعاوني المعمول به في المملكة يمنح السوق خصوصية تنظيمية، إذ يقوم على ممارسة التأمين وفق مبدأ التعاون وبما يتوافق مع الأحكام الشرعية.. وتمثل هذه الخصوصية جانبًا مهمًا عند دراسة التجربة السعودية ومقارنتها بالأسواق الدولية، التي تختلف في نماذجها التنظيمية وتاريخ تطورها.

لا يعني ذلك أن السوق السعودي لا يزال في بداياته من جميع النواحي أو أنه بلغ مرحلة النضج الكامل؛ بل إن فهم موقعه يتطلب النظر إلى مؤشرات الأداء الفعلية، مثل حجم الأقساط التأمينية، ومعدلات النمو وانتشار التغطيات التأمينية وكفاءة التسعير وإدارة المطالبات، ومدى تنوع الخدمات المتاحة.

صناعة التأمين ليست صناعة وليدة العصر الحديث، بل هي امتداد لتاريخ طويل من محاولات الأفراد والتجار والمجتمعات الحد من المخاطر وتوزيع الخسائر.. ومع تطور التجارة والأسواق، تحولت هذه الفكرة إلى صناعة عالمية تقوم على مؤسسات متخصصة وعقود واضحة وأنظمة رقابية متقدمة.