صفقات تاريخية في 90 دقيقة

في كثير من الأحيان تخفق الاجتماعات والمؤتمرات في حل أزمات معقدة، لكنَّ اتصالاً هاتفياً بين زعيمي قوتين عظميين يمكن أن يوفر أرضيات للتهدئة وتسريع الحلول ويقدم نتائج ملموسة أكثر من أي أطر أخرى، ذلك لأن الدبلوماسية المباشرة تختصر التعقيدات البيروقراطية وتكسر جمود المواقف المعلنة.هذا الانطباع ينطبق على المخرجات التاريخية للاتصال الهاتفي بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، الذي استغرق نحو 90 دقيقة، تجاوز فيها الزعيمان جمود الطاولات المستديرة وأحدثا اختراقات فعلية في ملف الطاقة أساساً، وأزمتي إيران وأوكرانيا، والخلافات الأمنية بين البلدين، وهي إنجازات ما كانت لتحدث لولا المرونة البراغماتية التي يتميز بها أسلوب الزعيمين، واعتمادهما على «الصفقات المباشرة».فقد أسفر الاتصال عن إعلان رئيسي البلدين ضخ روسيا أكثر من 300 ألف طن من وقود الديزل فوراً للأسواق الأمريكية والعالمية، تليها شحنات متتابعة تصل إلى ملايين الأطنان، في مسعى لمعالجة التضخم وخفض أسعار الوقود بشكل قياسي، خصوصاً في الولايات المتحدة، التي يواجه فيها ترامب وحزبه الجمهوري خسارة محتملة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الشهر المقبل. وربما تمنحه «صفقة الديزل» فرصة للتدارك وتحسين وضعه الانتخابي.بالمقابل سيكسب بوتين اختراقاً سياسياً واقتصادياً ثميناً يكسر طوق العزلة الدولية، ويمنح موسكو فرصة ذهبية لرفع تدريجي للعقوبات المفروضة عليها وتثبيت مكاسبها الجيوسياسية، إذ إن السماح بضخ ملايين الأطنان من الديزل الروسي إلى الأسواق الأمريكية والعالمية يُعد اعترافاً غربياً ضمنياً باستحالة الاستغناء عن مصادر الطاقة الروسية، لأنها باتت المنقذ الوحيد في ظل التوترات العاصفة بالشرق الأوسط وتضرر سلاسل الإمدادات العالمية ونسب التضخم الجنونية التي تضرب الاقتصاد العالمي.اتصال ترامب وبوتين لم يقتصر على «صفقة الديزل»، بل سعى إلى صفقتين مماثلتين في أزمتي إيران وأوكرانيا، فالبلدان ضالعان فيهما بشكل مباشر وعميق، ويمتلك كل منهما أوراق ضغط حاسمة يمكن أن تقود إما إلى تصعيد شامل أو تسوية تاريخية.ففي الموضوع الإيراني، بدت براغماتية ترامب واضحة، فهو يعرف أن موسكو حليف لطهران، وهو وضع يمنح بوتين قدرة فريدة على ترويض المناورات الإيرانية، وقد دفعه ذلك إلى استثمار المكالمة ليلعب دور الوسيط المباشر، إذ نقل إلى ترامب، بالتنسيق مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الخطوط العريضة لرؤية طهران لحل النزاع.ومن الممكن أن تفتح هذه الوساطة الرئاسية قناة دبلوماسية غير تقليدية تلتف على جمود المفاوضات متعددة الأطراف وتلبي الرغبة الأمريكية في التهدئة الإقليمية وفي الخروج من الصراع بمكاسب تحفظ للولايات المتحدة هيبتها الدولية. وما قد يحدث مع إيران قد ينطبق على أوكرانيا أيضاً، وقد كانت المكالمة الهاتفية فرصة للمكاشفة الصريحة بين الزعيمين.وبعد «صفقة الديزل» والوساطة بشأن إيران قد يضطر ترامب إلى لعب دور «الشريك في التسوية» في الملف الأوكراني، متجاوزاً مقاربة الدعم العسكري المطلق لكييف نحو صياغة صفقة واقعية تنهي الصراع القائم على قاعدة جديدة من التوازنات الدولية.