أكد شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى السعي مع رؤساء الطوائف لعقد قمة روحية إسلامية- مسيحية، تأكيداً على متانة لبنان وقوته وصيانته بتضامن عائلاته الروحية، مشدّداً على التماسك ووحدة الكلمة لمواجهة الأخطار المحدقة بالبلاد، ولإفشال محاولات تشويه الهوية التاريخية للطائفة، الراسخة في الانتماء الوطني والمتمسكة بالعمق العربي والإسلامي.
كلام الشيخ أبي المنى جاء خلال رعايته عقد لقاء محبة وتسامح في بلدة الباروك جمع عائلتي محمود واهالي الباروك وعائلة الصايغ واهالي شارون، لإنهاء ذيول تداعيات الحادث الفردي الذي تعرّض له الرائد سيزار محمود مسؤول المخابرات في منطقتي المتن والجرد أثناء قيامه بمهامه، على يد شاب مطلوب من عائلة الصايغ منذ سنة وشهرين.
حضر اللقاء الودي الذي أقيم في منزل والد الرائد محمود، عادل سعيد محمود، إلى جانب سماحة الشيخ أبي المنى والوفد المرافق من المشايخ وأعضاء في المجلس المذهبي، عضو "اللقاء الديمقراطي" النائب فيصل الصايغ، على رأس وفد من العائلة ومن عائلتي الأحمدية والبنّا في شارون، بمشاركة جمع من المشايخ والفاعليات ووكلاء داخلية الحزب التقدمي الاشتراكي في كل من الشوف والجرد والمتن، وحشد من أهالي البلدتين.
تحدث في اللقاء كل من الشيخ ابو شوقي فرحان محمود مرحباً، ومختار شارون الشيخ ابو طلال يوسف الصايغ شاكراً ومقدّراً الرعاية الكريمة للشيخ ابي المنى والمبادرة لعقد هذا اللقاء، ومثنياً على الجهود التي بُذلت من قبل شيخ العقل والمكلّفين بالمتابعة، وعلى روح التعاون والأخوة لدى الرائد محمود ووالده وعائلته وأهالي الباروك، للوصول إلى هذه النتيجة المباركة. وكلمة مختصرة للشيخ سليم الاحمدية، ولرئيس بلدية شارون رجا الصايغ الذي اكد على روح الاخوة والمحبة بين العائلتين والبلدتين وعلى التصميم منذ البداية لاعتبار الحادثة فردية مع التقدير لدور الجيش والقوى الأمنية، تكلم شيخ العقل والنائب فيصل الصايغ .
بسم الله الرحمن الرحيم، قال تعالى في مُحكم تنزيله: "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". حضرة المشايخ الأجلاء سُعاةِ الخير وأهلِ الحكمة والدراية، سعادةَ النائب الأستاذ فيصل الصايغ صاحبِ الكلمة الطيِّبة والروحِ المعروفية الوفيّة، الشخصيات الكريمة، أهلَنا الأفاضل من الباروك وشارون، أيُّها الأحبّة، نلتقي وإيَّاكم اليومَ في الباروك، باروك المحبة والعطاء والتقوى والشموخ، باروك المصالحة والعيش الواحد المشترَك. نلتقي على نيّة المحبة والتسامح لنوجِّهَ رسالةً أخلاقيةً اجتماعية إلى أبنائنا الأحبَّاء، ولنُعِيدَ الراحةَ والأمان إلى نفوسِ إخوانِنا الأعزّاء، مستلهمين العبرةَ ممَّا حصل، ومترفّعين عنِ الحقد والأذى والتشفّي، راجين عفوَ الله الذي لا يُرجى أحدٌ سواه. نلتقي اليومَ معاً في رحاب النبع والأرز والمقام، وفي دار أخٍ عديل وبيتٍ أصيل، الحبيب "أبو نزار" عادل سعيد شاهين محمود، والدِ الرائد المقدام سيزار الذي تعتزُّ به الباروك والشوف، امتداداً إلى الجرد والمتن وكلِّ الجبل، كما تعتزُّ به المؤسسةُ العسكرية وكلُّ من عرفه من أهلٍ وأصدقاءٍ ورفاقِ سلاح. نلتقي ومشايخَ الباروك الأجلَّاء والأهلَ والأقاربَ الأعزَّاء آل محمود المناضلين الطيِّبين الكرام وأحبَّاءنا من عائلات البلدة الذين هم بالحقيقة عائلةٌ واحدة يختزنون في تراثهم القرويِّ حكايا الودِّ والكرم والنخوة والعنفوان والمروءة، ومعَ أهلِنا وإخوانِنا من بلدة شارونَ الجردية الموسومةِ بالحكمة والمحبة والرحمة، والمعروفةِ بمشايخِها العلماء والأتقياء ورجالِها الأكارم العقلاء وأبطالها الأشاوس البسلاء".
اضاف: "هذه هي حقيقتُنا، وهذا هو ماضينا وحاضرُنا ومستقبلُنا؛ أُخُوَّةٌ لا تُلغيها حادثةٌ من هنا أو غرضيَّةٌ من هناك، وهويَّةٌ حقيقتُها الصدقُ والمحبة ومكارمُ الأخلاق، وانتماءٌ روحُه التوحيدُ والمعروفُ والوطنية؛ عائلةٌ واحدة مهما تعدَّدت أسماءُ العائلات، ونبضٌ واحدٌ منتظمٌ مهما توزَّعتِ الأفئدة والقلوب، لا نفترقُ إلَّا لنلتقي، ولا نلتقي إلَّا لتأكيد حقيقةٍ توحيدية حملناها منذ الأزل، ومناقبَ معروفيَّةٍ عربيّةٍ تربَّينا عليها منذ القِدَم. نلتقي لنطويَ الصفحةَ الرمادية ولنفتحَ الصفحةَ البيضاءَ النقيّة، فنكتبَ عليها معَ أهلِنا من الباروك وشارون كلماتِ الودِّ والاعتذار والصفاء، وعباراتِ التسامح والمغفرة والرجاء، وآيات الحمد والشكر والدعاء. نلتقي معاً، حامدين الله مجدَّداً ودائماً على اللطف والسلامة ونجاةِ حبيبنا الرائد سيزار من قدَرٍ قاسٍ كاد أن يكونَ محتَّماً مريراً لولا عنايةُ الله سبحانه وتعالى، ومقدِّرين كلَّ من واكب مسيرةَ المصالحة، من مشايخ الباروك والأقارب الأفاضل، ومن إخوانِنا الغيورين من آل الصايغ والأصدقاء الأكارم، وشاكرين كلَّ من حضر إلى جانبنا اليومَ، من أبناء البلدتين الغاليتين ورفاقِ المسيرة، واثقين بأنّ ما يجمعُنا هو أبعدُ وأعمقُ من انتماءٍ عائلي مناطقيّ أو رابطٍ عاطفيٍّ وجداني، إنّما هو الهويةُ الروحيةُ التوحيدية، والهويةُ الاجتماعيةُ المعروفية، والهويةُ الوطنيةُ العربية، والهويةُ الإنسانيةُ الواحدة".
وتابع: "حضرة المشايخ والأخوة الأفاضل، نلتقي وإياكم لنطلبَ الصَّفحَ أولاً من الله تعالى، ثمّ من كرام القوم وعقلائه، عمَّا حصل في لحظة انفعالٍ وتخلٍّ، معلنينَ انتصارَ المحبة على الحقد، وشاكرين ابنَنا الرائدَ الحبيب سيزار وذويه الغوالي على موقفِ القَبول والتجاوب، وقد ضمّدوا جراحَ الأمس بالرضا والإيمان، وكظموا الغيظَ بالعفو والإحسان، وردُّوا السيّئةَ بالحسنة، أثابهم الله، لقوله تعالى: "وَيَدرَءونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولـئِكَ لَهُم عُقبَى الدّارِ"،ونحن نُدركُ أن لقاء المحبةِ والتسامح هذا لم يكنْ ليحصلَ لولا عنايةُ الله سبحانه وتعالى ولولا بركةُ مشايخِنا الأطهار ودعاؤُهم، ولولا مساعدةُ الأقربين، كباراً وشباباً، ولولا الشعورُ بالمسؤولية من قبل الجميع والتصميمُ على الانتقال من ضَفّة الضغينة إلى ضفَّة المحبة، ممَّا يعزِّزُ قناعتَنا وثقتَنا بأننا في مواجهة الأقدار وتحدياتِ الحياة جماعةٌ لا يمكن أن تحيا إلّا واحدةً موحَّدة، ولا يمكن أن ترتديَ إلّا عباءةَ الحقِّ والكرامة. ألا بارك اللهُ ببني معروف، أهلِ الفضل والعقل والمعروف".
ومضى سماحته يقول: "أيها الكرام، نعلمُ جميعاً أنّ ظروفَ الحياةِ غيرُ مستقرَّة، ومسؤولياتِها متشعِّبةٌ وضاغطة، ومغرياتِها كثيرة، معَ ما يُرافق ذلك من ضغطٍ نفسي يولِّدُ النزق والتوتُّرَ والغضبَ والانحراف، ما يُحتِّمُ علينا مواجهةَ الأمورِ بعقلانيةٍ وإيمانٍ وتربيةٍ صالحة لتفادي الانزلاق إلى الخطأ والخطيئة بالتروّي في مواجهة الأمور، والاستغفار الصادقِ والرجوعِ إلى الحقّ،فالاستغفارُ من شِيَم الكبار، والعفوُ عند المقدرة من شيمِ الكرام ومن شيم الأنبياء والرسل (ع)، كما فعل نبيُّ الله يوسفُ الصدِّيق معَ إخوته الذين حاولوا قتله وفرّقوا بينه وبين أبيه، فعفا عنهم لعلَّهم يندمون ويتوبون، وترك أمرَهم لله، فهو المُثيبُ لمن عفا، وهو الغفور لمن ظلم. قال تعالى: "ومَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ".