شيخ الأزهر: الأمة الإسلامية مستهدفة بمكر شديد في دينها وهويتها ووحدة شعوبها وعيشها المشترك

أعادت صفحة الأزهر الشريف على فيسبوك، نشر مقطع فيديو من كلمة شيخ الأزهر، خلال مؤتمر الأزهر العالمي لنصرة القدس 2018، الذي عقد في القاهرة بمشاركة العديد من الدول الإسلامية والعربية.

وقال الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر أن كل احتلال إلى زوال وإن بدا اليوم وكأنه أمر مستحيل إلَّا أن الأيام دول وعاقبة الغاصب معروفة ونهاية الظَّالم وإن طالَ انتظارها مَعْلُومة ومؤكَّدة، مؤكداً أن القرار الجائر للرئيس الأمريكي يجب أن يُقابَل بتفكير عربي وإسلامي جديد يتمحور حول تأكيد عروبة القدس وأن يتحول هذا التأكيد إلى ثقافة تحتشد لها طاقات الإعلام العربي والإسلامي.

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن سار على دربه.

فخــامة الرئيس محمــود عبــاس – رئيس دولة فلسطينالســادة أعـلام المنصــةأصحـاب المعالي والسعادة وأصحاب النيافة والفضيلةالســـيدات والســــادةالحضـــــور الكــــــريمالسَّلامُ عليكم ورَحْمَة الله وبركَاته.. وأَهْلًا ومَرْحَبًا بحضراتكم في بلدكم مصر، وفي رحاب الأزهر الشَّريف، ونشكُركم على تفضُّلكم بالحضور وبالمشاركة في هذا المؤتمر الدولي العام، مؤتمر: «نُصْرَة القُدْس الشَّريف» والمسجِد الأقصى، أُولَى القِبْلَتين وثالِث الحرمَين، ومَسْرَى رَسُول الله مُحمَّد ﷺ.. هذا المؤتمر الذي ينعقد تحت رعاية كريمة ومشكورة من السيِّد الرئيس/ عبد الفتَّاح السيسي – رئيس جمهورية مصر العربية، والذي يرعى –مع مصر وشعبها-قضيَّة فلسطين الحبيبة، وبخاصةٍ ما آلَت إليه -مُؤخَّرًا-من تعقيدات السياسات الجائرة والقرارات غير المسؤولة، فلسيادته ولكل القادة المسؤولين العرب والمسلمين، ولكل شُرفاء العالَم المهمومين بفلسطين وشعبها وبُمقدَّساتها وأرضها خالص الدُّعاء بالتوفيق والسَّداد والقُوَّة والعزم والصَّلابة التي لا تلين إلَّا للحقِّ والعدلِ وإنصاف المستضعفين، وتحيَّة للسيِّد الرَّئيس/ محمود عبَّاس – رئيس دولة فلسطين، نحييه، ونشد على يديه، وندعوه إلى المزيدِ من الصمود والثبات.

مُنْذُ أبريل عام 1948م من القرن الماضي والأزهر الشَّريف يَعْقِدُ المؤتمراتِ تِلْوَ المؤتمرات عن فلسطين وعن المسجِد الأقصى والمقدَّسات المسيحيَّة في القُدْس، وقد تتابعت هذه المؤتمرات حتَّى بلغت أحد عشر مؤتمرًا ما بين 1948 و 1988، وحضرها أساطين العلماء والمفكِّرين المسلمين والمسيحيِّين من أفريقيا وآسيا وأوروبا، وقُدِّمت فيها أبحاث غاية في الدِّقَّة والعُمق والاستقصاء، وبنَفَسِ المهمُوم الذي لَمْ يَتبقَّ له إلَّا نفثاتٌ تُشْبِه نفثات المصدُور الذي فقد الدَّواء واسْتعصَى عليه الدَّاء.

وكانت هذه المؤتمرات في كُلِّ مَرَّة تُعبِّر عن رفضِ العُدوان الصُّهيوني على مُقدَّسَات المسلمين والمسيحيِّين واحتِلال بيت المسجد الأقصى ثُم حَرقه وانتهاك حُرماته بالحفريات والأنفاق والمذابح في سَاحاته، واغتِصَاب الآثار المسيحيَّة وتدميرها، من كنائِس وأديرَة، ومآوي ومقابِر في القُدْس، وطبرية ويافا وغيرها.

واليَوْم يَدْعُو الأزهَر للمُؤتمر الثَّاني عَشر بعد ثلاثين عامًا من آخِر مُؤتمر انعقَد بشأنِ القضيَّة الفلسطينيَّة والمقدَّسات الإسلاميَّة والمسيحيَّة.. ومُؤتمرنا اليَوْم، رُغم ثرائه الهائل بهذه العُقُول النيِّرَة والضَّمائِر اليَقظة من شَرْقٍ وغَرب، قد لا يُتوَقَّع منه أنْ يضيفَ جديدًا إلى ما قيل وكُتِب من قبل في «قضيتنا» وما يتعلَّق بأبعادها العلميَّة والتاريخيَّة والسياسيَّة، لكن حسب هذا المؤتمر أنه يَدُق –من جديد- ناقوس الخطَر، ويشعل ما عساه قد خبا وخمد من شُعلَة العَزم والتصميم، وإجماع العرب والمسلمين والمسيحيِّين وعُقلاء الدُّنيا وشُرَفائها – على ضرورة الصُّمُود أمام العبث الصهيوني الهمَجِي في القَرن الواحِد والعشرين، والذي تدعمه سياسات دولية، ترتعد فرائصها إنْ هي فكَّرت في الخروج قيدَ أنمُلَةٍ عمَّا يرسمه لها هذا الكيان الصهيوني والسياسات المتصهينة.

والذي أعتقده اعتقادًا جازمًا، هو أنَّ كل احتلال إلى زوال إنْ عاجلًا أو آجلًا، وأنه إنْ بدا اليوم وكأنه أمر مستحيل إلَّا أن الأيام دول، وعاقبة الغاصب معروفة، ونهاية الظَّالم وإن طالَ انتظارها، مَعْلُومة ومؤكَّدة.. واسألوا تاريخ روما في الشَّرق، واسألوا الفُرس عن تاريخهم في شرقِ جزيرة العَرب، واسألوا حملات الفرنجة (والتي يسميها الغرب بالصليبيَّة)، والتي طاب لها المقام في فلسطين مائتي عام، واسألوا الدول التي طالما تباهَت بأنَّ الشَّمْس لا تغرب عن مستعمراتها، واسألوا الاستعمار الأوروبي وهو يحمِل عصاه ويرحل عن المغرب والجزائر وتونس ومصر والشام والعراق والهند وإندونيسيا والصومال.. اسألوا جنوب أفريقيا ونظام التمييز العنصري وما آل إليه، اسألوا كل هؤلاء لتعلموا -من جديد-أن الزَّوال هو مصير المُعتدين، وأن كل قُوَّة مُتسلِّطة –فيما يقول ابن خلدون- محكومٌ عليها بالانحطاط، وصدق شاعرنا العربي في قوله:

والليالي –كما عهدت-حُبالى *** مُثقلاتٌ يلدن كل عجيب

فهذه حقيقة كونيَّة وسُنَّة إلهيَّة، والشَّكُّ فيها «زراية بالعِلْم، وزراية بالعَقل، وزراية بأمانة التَّفكير».

إلَّا أن هذه الحقيقة مقرونة بحقيقةٍ أُخرى تسبقها وتُعدُّ لولادتها، وأعني بها امتلاك القُوَّة التي تُرعِب العُدوان وتَكْسِر أنفه وتُرغِمه أن يعيد حساباته، ويُفكِّر ألف مرَّة قبل أن يُمارس عربدته وطُغيانه واستهتاره واستبداده، وعلم الله أننا –رغم ذلك- دُعاة سلام، لكنَّه السَّلام القائمُ على العدلِ وعلى الاحتِرام، وعلى الوفاء بالحقُوقِ التي لا تقبَل بيعًا ولا شراء ولا مُساومة، سلامٌ لا يَعْرِف الذِّلَّة ولا الخنُوع ولا المساس بذرَّةٍ من تُراب الأوطان أو المُقدَّسات.. سلامٌ تدعمه قُوَّة عِلْم وتعليم واقتصاد وتحكُّم في الأسواق، وتسليح يُمَكِّنه من ردِّ الصَّاع صاعين وبَتْر أ ي يد تُحاول المساس بشعبِه وأرضِه.

وإذا كان قد كُتِب علينا في عصرنا هذا أن يعيش بيننا عدو دخيل لا يفهَـم إلَّا لُغـةَ القُـوَّة، فليس لنـا أي عُذر أمام الله وأمام التاريخ في أن نبقى حوله ضعفاء مستكينين مُتخاذلين، وفي أيدينا – لو شئنا - كل عوامل القوة ومصادرها الماديَّة والبشَريَّة..

وأنا مِمَّن يؤمن بأنَّ الكيان الصهيوني لَيْسَ هو الذي ألحقَ بنا الهزيمة في 48 أو 67 أو غيرهما من الحروب والمناوشات، وإنما نحن الذين صنعنا هزيمتنا بأيدينا، وبخطأ حساباتنا وقِصَر أنظارنا في تقدير الأخطار، وتعاملنا بالهزل في مواطن الجد. وما كان لأمَّة موزَّعة الانتماء، مُمزَّقة الهُويَّة والهوى أن تواجه كيانًا يُقاتِل بعقيدةٍ راسخةٍ، وتحت راية واحدة، فضلًا عن أن تسقط رايته وتكسر شوكته، وصدق الله العظيم: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ {الأنفال: 46}.