شياكة.. – صالح الشادي

قرأت عن الشياكة، فوجدتها كلمة دخلت العربية المعاصرة من الفرنسية «chic»، لكنها لم تدخل لتقول شيئًا عن الملابس وحدها، بل لتقول شيئًا عن الإنسان كله. لاحظت أنها تعني الظرف وحسن التصرف واختيار اللائق، وأنها أقرب إلى منظومة قيم منها إلى لون أو قَصّة، وأعتقد أن أصلها العميق ليس في واجهات الأسواق، بل في الطبع والبيئة؛ فبياض الثوب في الصحراء لم يكن ترفًا، بل ضرورة فرضتها الشمس والغبار، ثم تحوّل مع الزمن إلى قيمة جمالية. والسواك والتطيّب والاغتسال لم تكن عادات عابرة، بل كانت تعبيرًا عن حب النقاء. هكذا وُلدت الشياكة من رحم الطبيعة: من حاجة الإنسان إلى النظافة، ومن رغبته في أن يكون مقبولًا بين الناس، ومن طبعه الذي يحب الكرم وحسن الجوار وطيب الحديث.

لاحظت أن كثيرين يربطون الشياكة بالمال أو المنصب، وأعتقد أن هذا من أكبر الظلم لها، فالناس قد ترى في الرجل الذي يأكل بالشوكة والسكينة «ابن ناس»، وفي المرأة التي تلبس ما لا يلبسه غيرها «شيكة»، مع أن الشياكة الحقيقية لا تسكن في السعر، بل في التنسيق والنظافة والذوق. كم من فقير كان شيكًا لأن ثوبه مكوي، ورائحته طيبة، وكلامه مهذب. وكم من ثري كان أبعد الناس عن الشياكة لأن ماله اشترى له هيئة فاخرة، لكنه لم يشترِ له روحًا راقية. الشياكة ليست حكرًا على طبقة، ولا وقفًا على منصب؛ إنها عدل الجمال الذي وزعه الله على الناس، فمن أخذه بحسن خلق فقد أخذ حظه، ومن أخذه بتكبر فقد أخذ شكله لا جوهره.

وهنا لاحظت الفرق بين الشياكة الدائمة وشياكة المناسبات. الأولى تبدأ من الداخل، من القلب واللسان والأخلاق، وتظهر في المشي المتواضع، والحديث اللطيف، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، صاحبها لا يتشيك لأن هناك من ينظر، بل لأنه اعتاد أن يكون جميلًا في عزلته كما هو بين الناس. أما شياكة المناسبات فهي مؤقتة، تُلبس مع البشت وتُخلع مع الحفل، وربما كان صاحبها في بيته قاسيًا، وفي حديثه فظًا، وفي تعامله أنانيًا. تلك ليست شياكة، بل قناع. والقناع قد يخدع العين ساعة، لكنه يسقط عند أول موقف.

أرى أن الشياكة الحقيقية تظهر في الحديث كما تظهر في اللباس، تظهر في نبرة الصوت المنخفضة، وفي انتقاء الكلمات، وفي الاستئذان والشكر والاعتذار. وتظهر في السلوك حين يفتح أحدهم الباب لغيره، ويحترم خصوصية الآخرين، ويهتم بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الراحة، وتظهر في التعامل حين لا يتعالى أحد على أحد، وحين تُقدَّر الناس بأخلاقها لا بمظاهرها. وتظهر في اللباس حين يكون الثوب نظيفًا، والرائحة طيبة، والألوان متناسقة، من غير مبالغة ولا إسراف. فالشياكة إذن ليست في قطعة واحدة، بل في انسجام كل التفاصيل: شكلٌ يوافق جوهرًا، وهيئةٌ تشهد لصاحبها أنه يحب الجمال لأنه يحب الله.

ولأنها بهذا المعنى قيمة إنسانية، أعتقد أنها مهمة. بها يحترم الإنسان نفسه، ويحترم من حوله، ويبني جسرًا من التقدير المتبادل، وبها يصير المجتمع أكثر لطفًا وأقل خشونة، لكن بعضهم ينتقدها لأنه يراها تكلفًا ومظهرية وتفاخرًا، وأعتقد أن هذا النقد يقع على الشياكة الزائفة، لا على الشياكة الصادقة. فالمتكلف يرهق نفسه ليرضي عيون الناس، أما الشيك الحقيقي فيرضي الله أولًا، ثم يأتي رضا الناس تبعًا. والفرق بينهما كالفرق بين زهرة تنبت في حديقتها، وزهرة بلاستيكية تُعلق على جدار. الأولى حية وإن كانت بسيطة، والثانية لامعة لكنها لا رائحة لها.

لاحظت أن الماضي -في زمن النهضة العربية -عرف شياكةً أعمق مما نراها اليوم، حين كان الناس يعرفون كيف يكونون شيكين في الكلام والملبس والجلوس والاستماع. ثم تغيّر الذوق العام، وامتلأت الأماكن بالضجيج، وربما صارت الشياكة أثرًا نبحث عنه في الصور القديمة. لكنها لم تمت؛ إنها تعود اليوم بمفاهيم جديدة، مثل الشياكة الواعية التي تعرف أن الجمال لا يعني الإسراف، وأن الأناقة قد تكون في الامتناع لا في الإضافة.

وأرى أنها ليست خاصة بالرجل دون المرأة، ولا بالمرأة دون الرجل، كلاهما يستطيع أن يكون شيكًا، لكن تعبيراتها تختلف. الرجل الشيك يظهر في هندامه وسلوكه وتعامله، والمرأة الشيكة تجمع بين الأناقة والرقي في الحديث والتصرف، وقد ارتبطت المرأة العربية عبر تاريخها بحرص على الأناقة حتى في بساطتها، كما ارتبط الرجل الخليجي بـ«الكشخة» أي لبس أفضل ما عنده في المناسبات.

أما السعودي، فله علاقة خاصة بالشياكة؛ ثوبه الأبيض وشماغه وعطره وسواكه، كلها تفاصيل صنعت هوية جمالية عريقة، ولاحظت أن سكان الرياض ونجد عُرفوا بالثوب الأبيض الناصع والشماغ الأحمر، وأن أهل الحجاز في جدة ومكة مزجوا بين الأصالة والانفتاح، فظهر ذلك في تنسيق الغترة البيضاء والعقال المقصّب والاهتمام بالعطور الشرقية. والمنطقة الشرقية أضافت لمسة خاصة، حيث يتزين الرجل بالدقلة والثوب المردون والعقال المقصّب. وفي أبها وجازان والمدينة المنورة، يحتفظ كل إقليم بتفاصيله الجمالية الخاصة، والشياكة عند السعودي ليست تقليدًا أعمى، بل اعتزاز بالتراث وانفتاح على العصر، ونظافة تُشبه قلبه، وبياضًا يشبه صفحته.

وقد تأملت طويلًا في الفرق بين شياكتنا وشياكة الغرب، فوجدت أن الفرق ليس في الدرجة ولا في الذوق، بل في الجهة التي تنظر إليها الشياكة. شياكة الغرب بصرية في الأساس: تُبنى للعين، في صورةٍ تُلتقط، وخطٍّ يُرى من بعيد، وهَيئةٍ تُقاس بالمسطرة، أما شياكتنا فحواسيّة متعددة: عطرٌ يدخل الأنف قبل أن يدخل الثوب العين، وصوتٌ منخفض يريح الأذن، ويدٌ تُصافح بحرارة، وفنجانٌ يُقدَّم بيدين. الغربي يريد أن يُرى، ونحن نريد أن نُستقبل.

وشياكة الغرب موسمية بطبعها؛ تتغير كل فصل لأنها تسكن في الجديد، وتقوم على الابتكار في القَصّة واللون والخط، أما شياكتنا فثابتة لتُورَث؛ ثوبنا لم يتغيّر كثيرًا في قرن، والابتكار فيها ليس في الشكل، بل في نقاء البياض، وإتقان الكي، وطيب الرائحة، وكرم الاستقبال.

الغرب يبتكر التفصيلة لتُشترى، ونحن نبتكر التفصيلة لنُكرم بها، الغربي يقيس أناقته بالزمن الذي مضى على ظهورها، ونحن نقيسها بالزمن الذي مضى على ثباتها. عندهم الأناقة تسير مع التقويم، وعندنا تسير مع الجمعة والعيد ورمضان والحج.

وأعمق فرق لاحظته أن شياكة الغرب أناقة تمييز، وشياكتنا أناقة توحيد. غربيًا، الأناقة سلاح للتفرد: من يلبس أفضل يعلو، ومن يتشابه مع غيره يهبط. أما عندنا، فالثوب الأبيض والشماغ يكادان يكونان زيًّا واحدًا يجمع الناس؛ يقف الغني والفقير في صف واحد بالثوب نفسه، فلا يعرف الناظر من الإمام من المأموم. شياكتنا تخفي الطبقة ولا تُظهرها، وشياكة الغرب قد تُظهر الطبقة ولا تخفيها. في مجلسنا الجميع أبيض، وفي صورة الغرب الجميع مختلف. وهذه واحدة من أجمل صفاتنا: أن يكون الجمال عادلًا، وأن يكون اللباس ساترًا لا مفاضلًا.

ولاحظت أن كلتا الشياكتين تعرف أن الأناقة رفضٌ قبل أن تكون إضافة. الغرب قالها على لسان إحدى رائداته: الأناقة رفض. ونحن قالها الدين: كلوا واشربوا ولا تسرفوا. لكن الغربي يرفض ليتميز، ونحن نرفض لنعتدل. الغربي يرفض الزائد ليقول: أنا مختلف. ونحن نرفض الزائد لنقول: أنا مقتصد، وأنا شاكر. وعند الغرب قد تكون اللامبالاة المدروسة أداءً بارعًا، أما عندنا فالتلقائي هو الأصل؛ الشيك الحقيقي هو من لا يُلاحظ أنه يحاول.