على رمال الساحل الغربي للمملكة العربية السعودية، حيث تتكسر أمواج البحر الأحمر بهدوء وروعة الأزرق العميق، تُخط اليوم صفحة جديدة في سجل واحدة من أعرف البطولات الكروية الخليجية العربية؛ فبعد رحلة امتدت أكثر من ستة وخمسين عاما، تصل بطولة كأس الخليج العربي، في نسختها السابعة والعشرين، إلى مدينة جدة، لتكتب بذلك أول لقاء لها مع مياه البحر الأحمر وتصافح موجا لم تصافحه منذ ميلادها! رحلة الجغرافيا والتاريخ: منذ أن ولدت في حجر البحرين قبل ستة وخمسين عاما وزيادة، لم تكن كأس الخليج يوما مجرد مباريات، بل كانت من عام 1970 مرآة تعكس تحولات المنطقة وتشابك جغرافيتها بحكاياتها؛ حيث تنقلت البطولة بين حواضر الخليج العربي الكبرى، وضربت موعدها مع بحر عمان حين حلت في مسقط، ومع بحر العرب حين استضافتها اليمن، وامتدت لتلامس ضفاف نهر دجلة وشط العرب حين استقبلتها بغداد والبصرة، كما حطت الرحال في الرياض، عاصمة القرار والتنظيم، ورغم هذا التنوع الجغرافي الثري، ظل الساحل الغربي للسعودية، ذاك الذي يطل بعين على إفريقيا من جهة، وأخرى على آسيا، بمياهه الزرقاء غائبا عن خارطة استضافة البطولة، حتى جاءت هذه اللحظة التاريخية، ليهدي البطولة عناقا لم تعرفه من قبل مع أمواج البحر الأحمر. اختيار جدة التي تعرف وتشتهر بـ «عروس البحر الأحمر» جاء لمدينة تعتبر هي الرحم الذي تكونت فيه الكرة السعودية، وتحمل في صفحات التاريخ لقب (مهد كرة القدم)؛ فمنها انطلقت أولى الأندية، وفيها تشكلت أولى الملاعب، وعلى ترابها ترعرعت أجيال من اللاعبين الذين حملوا اسم السعودية إلى المحافل الدولية، وحين تصل خليجي 27 إلى شواطئها، فإنما تجيء إلى بيت يعرف كرة القدم جيدا، وتحط على أرض تنبض بالذاكرة الرياضية منذ عقود. وفي خضم هذا المشهد يتردد اسم لطالما ارتبط بريادة الرياضة السعودية والخليجية، سمو الأمير خالد الفيصل، صاحب الفكرة التأسيسية التي زرعها يوما فأثمرت ووحدت الملايين على امتداد مساحة الخليج العربي بأكمله على شغف واحد، وهنا كأن أمواج البحر الأحمر، وهي تقبل رمال شواطئ جدة استعدادا لاستقبال خليجي 27، إنما تنحني هامتها تحية وفاء لصاحب الرؤية، بعد أكثر من نصف قرن من الزمن الذي تحولت فيه الفكرة إلى (تراث خالد). وفي يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026 (الموافق 12 ربيع الآخر 1448)، وهو الذكرى الـ 96 لتأسيس وتوحيد المملكة العربية السعودية يبدأ فصل جديد في سجل عمره 56 عاما؛ فمن البحرين التي احتضنت الميلاد، إلى جدة اليوم، تواصل كأس الخليج كتابة تاريخها، وإنها ليست بطولة كروية تقام كل عامين فقط، بل ذاكرة جماعية لشعوب الخليج، تتجدد في كل نسخة، وتضيف إلى خارطتها وتاريخها حكاية مدينة جديدة، إذ تصل البطولة إلى ساحل البحر الأحمر (لأول مرة) في تاريخها، فإنها لا تكتفي بتغيير الجغرافيا، بل تعيد التأكيد على أن كأس الخليج تبقى، مهما تغيرت المضايف والظروف، رابطا يجمع ولا يفرق، وذاكرة تتسع لتشمل كل ساحل الخليج العربي الذي يستحق أن يحتضن البطولة.