تستحضر الفنانة السعودية شريفة السديري في أعمالها عناصر من الذاكرة والموروث والهوية، وتعيد تقديمها عبر اللون والكتلة والرمز، في تجربة تشكيلية امتدت منذ ثمانينيات القرن الماضي، وشكلت خلالها حضورًا في المشهد التشكيلي السعودي. وحضرت السديري أخيرًا ضيفة شرف في معرض «عِزّنا بطبعنا»، الذي نظمه نادي فن وفنانين بمناسبة اليوم الوطني السعودي، حيث شاركت بأعمال تستلهم الموروث الوطني، وتحضر فيها رموز ترتبط بالأرض والهوية والانتماء. وفي أحد أعمالها المشاركة، تتصدر المرأة المشهد، وتلتف حول حضورها بقية عناصر اللوحة، لتشكل مركزًا بصريًا يقود العين إلى تفاصيل العمل. ولا تظهر الشخصية منفصلة عما حولها، بل ترتبط بالسيف والعلم والكتل اللونية التي تتوزع داخل المساحة، في بناء يجمع بين الرمز والحركة. ويبرز السيف في يد المرأة بخطه المستقيم، قاطعًا مساحة من اللوحة ومحددًا اتجاه الحركة فيها، في مقابل حركة العلم وانحناءاته التي تخفف من حدة الخطوط المستقيمة، وتمنح التكوين قدرًا من التوازن بين الثبات والحركة. ومن خلال هذا التكوين، تظهر المرأة في قلب المشهد، فيما تتوزع العناصر الأخرى حولها بطريقة تمنح كل عنصر مساحة داخل العمل، من دون أن ينفصل عن بقية التفاصيل. ويقود امتداد السيف العين في اتجاه، بينما تدفع حركة العلم إلى اتجاه آخر، لتنشأ بينهما حركة بصرية تمتد عبر أجزاء اللوحة. ويحضر اللون عنصرًا رئيسًا في بناء العمل، إذ تنتقل الفنانة بين الدرجات الترابية الدافئة في الجزء السفلي، وصولًا إلى الأخضر في الجزء الأعلى، مع ضربات فرشاة واضحة تضيف حركة إلى السطح وتمنح الكتل اللونية درجات متفاوتة من الحضور. ولا يعتمد العمل على نقل مشهد واقعي بصورة مباشرة، إذ تتقدم الرموز والألوان وطريقة توزيع العناصر لتمنح اللوحة مساحة أوسع للقراءة. فالمرأة والسيف والعلم لا تظهر باعتبارها عناصر منفردة، وإنما ترتبط داخل بناء واحد، يستند إلى موضوعات الوطن والهوية والموروث. ويمكن قراءة حضور المرأة في العمل من خلال موقعها المركزي وعلاقتها ببقية العناصر؛ فهي تشغل مساحة رئيسة داخل اللوحة، ومنها تنطلق الخطوط والحركة باتجاه بقية أجزاء التكوين. ويعزز السيف هذا الحضور من خلال امتداده الواضح، بينما يحيط العلم بالمشهد ويضيف إليه مساحة لونية وحركية. وتكشف هذه العناصر عن اهتمام السديري بالرمز في بناء أعمالها، بعيدًا عن النقل المباشر للمشهد. فالسيف والعلم والمرأة تحمل جميعها دلالات يمكن قراءتها في سياق الموضوع الوطني الذي ينطلق منه العمل، فيما تمنح طريقة توزيعها واللون المستخدم فيها اللوحة لغتها التشكيلية. وتستند تجربة السديري إلى مسيرة بدأت ملامحها منذ ثمانينيات القرن الماضي، وشهدت خلالها تجربتها مراحل متعددة في التعامل مع اللون والرمز والموضوع، مع حضور للموروث والعناصر المرتبطة بالبيئة والهوية ضمن أعمالها. وفي مشاركتها بمعرض «عِزّنا بطبعنا»، عادت هذه العناصر إلى الواجهة من خلال أعمال تتصل بالمناسبة الوطنية، وتقدم موضوعاتها عبر التشكيل، بعيدًا عن النقل الحرفي للمشهد، مع الاعتماد على العلاقات بين الشخصيات والرموز والألوان. وتمنح التفاصيل الموجودة في العمل المتلقي أكثر من مدخل للقراءة؛ فمن الممكن البدء من حضور المرأة في مركز التكوين، أو متابعة الخط الذي يرسمه السيف، أو الانتقال مع حركة العلم، قبل الوصول إلى المساحات اللونية التي تجمع العناصر وتربط أجزاء اللوحة. ويظهر في العمل اهتمام بالتوازن بين الكتل والخطوط؛ فالحركة التي يصنعها العلم تقابل استقامة السيف، بينما تتوسط المرأة هذه العلاقات، لتصبح نقطة التقاء العناصر الرئيسة في اللوحة. كما تسهم درجات اللون واختلاف مساحاتها في تحديد مستويات المشهد وإبراز عناصره. ومن خلال هذه العلاقات، تقدم السديري عملًا يستحضر مفردات وطنية معروفة، لكنه يعتمد على التكوين واللون والحركة في تقديمها، لتصبح الرموز جزءًا من البناء التشكيلي نفسه، وليست مجرد عناصر مضافة إلى المشهد. وتأتي مشاركة شريفة السديري في المعرض امتدادًا لمسيرتها الفنية وحضورها في المشهد التشكيلي السعودي، فيما تكشف أعمالها عن استمرار اهتمامها بالموروث والهوية، وإعادة تقديم هذه العناصر بلغة تشكيلية تجمع بين الرمز واللون والحركة، وتترك للمتلقي مساحة لقراءة تفاصيل العمل ودلالاته المرأة والعلم والسيف تتصدر عناصر العمل التشكيلي