في مدينة كلباء، على الساحل الشرقي لإمارة الشارقة، يمكن التعرف الى قصة المكان من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة للوهلة الأولى، من حركة طائر مهاجر يحط بين أشجار القرم، أو من آثار سرطانات البحر المنتشرة على الرمال مع ساعات الغروب، أو من الهدوء الذي ما تزال تحتفظ به واحدة من أكثر البيئات الساحلية حساسية في المنطقة.هناك، حيث تمتد غابات القرم بمحاذاة البحر، وتتشكل الممرات المائية الضيقة بين الأشجار، تبدو الطبيعة وكأنها ما تزال تحتفظ بإيقاعها الأول، ضمن نظام بيئي ساحلي متكامل يحتضن تنوعاً واسعاً من الحياة البرية والبحرية، من الطيور النادرة والمهاجرة التي تعتمد على القرم كمحطة غذاء واستراحة خلال رحلاتها الطويلة، إلى الغزلان التي تتحرك في المناطق الطبيعية المحيطة، وصولاً إلى السلاحف البحرية والحياة البحرية الغنية التي ترتبط بهذا النظام البيئي الممتد على طول الساحل.وتقع مناطق التعشيش الحالية للسلاحف البحرية في كلباء ضمن نطاق المحمية التابعة لهيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، بالقرب من مركز القرم، حيث تخضع هذه البيئات لإدارة ورقابة بيئية دقيقة، تضمن حماية مواقع التعشيش الحساسة والحفاظ على هدوئها الطبيعي، وفي حين سُجلت مشاهدات محدودة للسلاحف البحرية بالقرب من محيط «نزل الرفراف»، خلال فترات سابقة.ورغم أن كثيراً من المدن الساحلية حول العالم تعاملت مع التنمية بوصفها عملية توسع عمراني مفتوحة، اختارت الشارقة مساراً مختلفاً في مدينة كلباء، إذ بدأت من سؤال مختلف: كيف يمكن تطوير المكان دون الإخلال بما يجعل هذا المكان قائماً في الأصل؟وفي كلباء، لم تُعامل البيئة بوصفها عائقاً أمام التنمية، بل بوصفها العنصر الذي يحدد شكلها وحدودها، ضمن رؤية أرساها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، تؤكد أن حماية الأنظمة البيئية جزء من تعريف التنمية نفسها.وعلى مدار السنوات الماضية، ترجمت هيئة الشارقة للاستثمار والتطوير «شروق» هذا التوجه إلى مشروعات سياحية وبيئية، تحاول إعادة صياغة العلاقة بين الضيافة والطبيعة، فبرز «نزل الرفراف»، التابع لـ«مجموعة الشارقة للضيافة»، بوصفه أحد أكثر هذه النماذج وضوحاً، ويقع النزل داخل محمية أشجار القرم على الساحل الشرقي لإمارة الشارقة، ضمن بيئة طبيعية ترتبط بالنظام البيئي الساحلي المحيط، ويضم 40 خيمة فاخرة موزعة بعناية داخل الموقع، لتقدم تجربة إقامة توازن بين الراحة والانسجام مع الطبيعة.وقد تم تطوير المشروع استناداً إلى دراسات تقييم أثر بيئي شاملة شكّلت الأساس لجميع مراحل التخطيط والتنفيذ، وحددت مواقع الوحدات، ومستويات الإضاءة، وأنماط الحركة داخل الموقع، وانعكس ذلك على الحلول المعمارية المعتمدة، حيث تم تصميم وحدات الإقامة بشكل مرتفع عن سطح الأرض للحفاظ على حركة الرمال وتقليل الضغط على التربة، وسهولة نمو النباتات وعدم التأثير في الحياة الفطرية.وقد جاء تطوير المشروع بالتنسيق مع هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، بما يضمن توافقه مع متطلبات حماية الأنظمة البيئية الحساسة، ويؤكد أن الحفاظ على البيئة لم يكن نتيجة لاحقة للتطوير، بل الأساس الذي انطلق منه.وبهذا، تبرز مدينة كلباء كنموذج مختلف داخل دولة الإمارات، حيث لا تُقاس التنمية بحجم ما يُبنى، بل بقدرة المشروع على العمل ضمن حدود الطبيعة. وكأن المدينة تطرح نموذجاً مختلفاً للتنمية؛ نموذجاً لا يسأل فقط ماذا يمكن أن نبني هنا، بل ماذا يجب أن يبقى هنا أيضاً.**media[7930972]**