شركات التقنية المالية والبنوك التقليدية.. من يقود مستقبل الخدمات المصرفية؟ – د. منصور المالك

يشهد القطاع المالي العالمي تحولاً جذرياً يعيد رسم العلاقة بين البنوك التقليدية وشركات التقنية المالية (FinTech)، بعدما كانت البنوك تسيطر لعقود طويلة على معظم الخدمات المصرفية، من فتح الحسابات وتحويل الأموال إلى الإقراض والمدفوعات والاستثمار. واليوم، أصبحت شركات التقنية المالية منافساً قوياً للبنوك في عدد متزايد من الخدمات، مستفيدة من التطور التقني والذكاء الاصطناعي وانتشار الهواتف الذكية، وقدرتها على تقديم خدمات أسرع وأقل تكلفة وأكثر ملاءمة لاحتياجات العملاء.

وتكمن المفارقة في أن شركات التقنية المالية لا تحتاج بالضرورة إلى امتلاك شبكة ضخمة من الفروع أو توظيف عشرات الآلاف من العاملين لتقديم خدمات مالية لملايين العملاء. فهي تعتمد على المنصات الرقمية والأتمتة والربط المباشر بالأنظمة المصرفية، بينما تتحمل البنوك التقليدية تكاليف أكبر مرتبطة بالبنية التشغيلية والأنظمة القديمة، إلى جانب التزاماتها التنظيمية المتعلقة بالودائع والسيولة ورأس المال وإدارة المخاطر.

ولعل أبرز الأمثلة العالمية شركة PayPal الأمريكية، التي نجحت في بناء منظومة عالمية للمدفوعات الرقمية، وشركة Wise البريطانية، التي أحدثت تحولاً في التحويلات الدولية من خلال الشفافية في أسعار الصرف وخفض الرسوم، وشركة Revolut التي جمعت خدمات الحسابات والمدفوعات والصرف والاستثمار في تطبيق واحد، وتوسعت إلى عشرات الملايين من العملاء حول العالم. وفي البرازيل، استطاعت Nubank بناء واحدة من أكبر المنصات المصرفية الرقمية، متجاوزة 100 مليون عميل، ومنافسة البنوك التقليدية في أحد أكبر الأسواق المصرفية بأمريكا اللاتينية.

وتوضح هذه التجارب أن المنافسة لم تعد تدور حول عدد الفروع أو حجم المباني المصرفية، بل حول القدرة على الوصول إلى العملاء، وسهولة الاستخدام، وتكلفة تقديم الخدمة، وسرعة تطوير المنتجات. ومع ذلك، فإن المقارنة تحتاج إلى التمييز بين شركات المدفوعات والتحويلات، والبنوك الرقمية المرخصة مثل Nubank وبعض كيانات Revolut، لأن الأخيرة تخضع أيضاً لمتطلبات مصرفية وتنظيمية بحسب الدولة ونوع الترخيص.

وعلى الرغم من هذا التقدم، لا تزال البنوك التقليدية تتمتع بمزايا يصعب تعويضها، وفي مقدمتها قواعد الودائع الضخمة، والقدرة على تمويل الشركات والمشاريع الكبرى، والخبرة في إدارة المخاطر، والثقة المؤسسية، والعلاقات الممتدة مع الحكومات والشركات، ولذلك، فإن المستقبل لا يبدو بالضرورة صراعاً ينتهي باختفاء البنوك، وإنما تحولاً في توزيع الأدوار بينها وبين شركات التقنية المالية.

وقد أدركت بنوك عالمية كبرى مثل JPMorgan Chase وDBS السنغافوري هذا التحول، فاستثمرت بكثافة في التقنية والذكاء الاصطناعي والخدمات المصرفية الرقمية، وأصبحت تنافس شركات التقنية المالية باستخدام أدواتها نفسها. وفي المقابل، تعتمد شركات تقنية مالية كثيرة على البنوك لتوفير الحسابات وحفظ الأموال والتسويات والخدمات المنظمة، مما يجعل التعاون بين الطرفين أحياناً أكثر جدوى من المنافسة المباشرة.

أما في المملكة العربية السعودية، فإن التحول يبدو أكثر أهمية في ظل رؤية 2030، التي جعلت تطوير القطاع المالي ورفع كفاءة المدفوعات الرقمية وتعزيز الابتكار المالي من أولوياتها. وقد ساهم البنك المركزي السعودي وهيئة السوق المالية في تهيئة البيئة التنظيمية لنمو شركات التقنية المالية، من خلال المبادرات التجريبية وتطوير أنظمة المدفوعات والخدمات المالية الرقمية.

وتقدم المملكة أمثلة مهمة على هذا التحول، من أبرزها stc pay التي ساهمت في انتشار المحافظ الرقمية قبل انتقال نشاطها إلى مرحلة مصرفية جديدة عبر STC Bank، وشركة تمارا التي توسعت في خدمات الشراء الآن والدفع لاحقاً، وشركة تابي التي طورت نموذجاً مشابهاً للتمويل الاستهلاكي الرقمي، إضافة إلى شركات مثل Geidea وHyperPay في حلول المدفوعات الإلكترونية للتجار، وLean Technologies في البنية التقنية للخدمات المصرفية المفتوحة.

وفي المقابل، نجحت بنوك سعودية مثل الراجحي والأهلي السعودي والرياض والإنماء في تطوير خدماتها الرقمية وتطبيقاتها المصرفية، مما جعل المنافسة في المملكة مختلفة عن بعض الأسواق العالمية؛ فالبنوك السعودية ليست بعيدة عن التحول الرقمي، بل تشارك فيه بقوة وتستفيد من بنيتها الرأسمالية وقواعد عملائها الواسعة.

ومع ذلك، فإن الفرصة الأكبر لشركات التقنية المالية السعودية قد لا تكون في منافسة البنوك على الحسابات والودائع، وإنما في تطوير خدمات متخصصة تستطيع البنوك تقديمها من خلال الشراكات التقنية، مثل التحويلات الدولية منخفضة التكلفة، والمدفوعات العابرة للحدود، وخدمات المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والتمويل المدمج، وإدارة الأموال بالذكاء الاصطناعي، وربط الخدمات المالية بالتجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية.

وتبرز هنا أهمية نموذج الخدمات المصرفية المدمجة (Embedded Finance)، الذي يسمح للشركات التجارية والتطبيقات والمنصات الرقمية بتقديم خدمات مالية لعملائها بالتعاون مع المؤسسات المرخصة. فقد يصبح بإمكان متجر إلكتروني تقديم حلول دفع وتمويل داخل التطبيق نفسه، أو شركة لوجستية إدارة المدفوعات والتحصيل والتحويلات دون الحاجة إلى إنشاء بنك مستقل، وفق المتطلبات التنظيمية المعمول بها.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الفرق الجوهري بين النموذجين يكمن في هيكل التكاليف وسرعة التوسع، فالبنك التقليدي يحتاج إلى استثمارات كبيرة في رأس المال والأنظمة والامتثال والبنية التشغيلية، بينما تستطيع شركة تقنية مالية متخصصة التوسع عبر منصة رقمية بتكلفة إضافية أقل لكل مستخدم، وإن كانت لا تزال تتحمل تكاليف التقنية والأمن السيبراني واكتساب العملاء والامتثال، وقد تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة قبل الوصول إلى الربحية.

وأعتقد أن المملكة تمتلك فرصة استراتيجية لتصبح مركزاً إقليمياً وعالمياً لشركات التقنية المالية، مستفيدة من قوة قطاعها المصرفي، وانتشار الخدمات الرقمية، وتطور البنية التحتية للمدفوعات، وموقعها الاقتصادي الذي يربط أسواق الخليج والعالم العربي وآسيا وأفريقيا.

ولتحقيق ذلك، ينبغي تشجيع الشراكات بين البنوك وشركات التقنية المالية، وتسهيل وصول الشركات المبتكرة إلى البنية المصرفية عبر واجهات الربط الآمنة، ودعم تصدير الحلول التقنية السعودية إلى الأسواق الخارجية، مع المحافظة على متطلبات حماية العملاء والبيانات والاستقرار المالي.

إن البنوك التقليدية تمتلك رأس المال والثقة والخبرة، بينما تمتلك شركات التقنية المالية المرونة والابتكار وسرعة الوصول إلى العملاء. والفائز في المستقبل لن يكون بالضرورة أحد الطرفين على حساب الآخر، بل من يستطيع الجمع بين قوة المؤسسات المصرفية وكفاءة التقنية الحديثة.

وكما نجحت المملكة في بناء قطاع مصرفي قوي، فإن الفرصة متاحة اليوم لبناء شركات تقنية مالية سعودية قادرة على خدمة مئات الملايين من العملاء خارج حدود المملكة، وتحويل الرياض من مركز مصرفي إقليمي إلى مركز عالمي لتصدير الخدمات والتقنيات المالية.

فمستقبل الخدمات المصرفية لن تحدده البنوك التي تمتلك أكبر عدد من الفروع، بل المؤسسات التي تستطيع تقديم أفضل خدمة مالية، بأقل تكلفة، وفي أسرع وقت، ومن أي مكان في العالم.