شرح الإيضاح للعكبري – د. إبراهيم الشمسان أبو أوس

من كتب النحويين ما هو كالشمس التي تحيط بها الكواكب كالكتاب، والجمل، والإيضاح، العضدي، والمفصل، والخلاصة.

أما الإيضاح العضدي فأحصى الدكتور يحيى مير علم ما ناله من شروح ومختصرات وتعليقات فبلغت عنده 59 عملًا جليلًا(1)، ومنها كتاب «شرح إيضاح أبي علي الفارسي للإمام العلّامة أبي البقاء العُكبري (ت616هـ)»، وكان قد وصلني كتاب كريم من مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بتاريخ 12/05/ 1446هـ، بتوقيع الزميل الصديق الأستاذ الدكتور تركي بن سهو العتيبي حفظه الله ووفقه؛ مشفوعًا بنسخة من هذا الشرح الجليل مع منشورات أخر، وهي هدية قيمة؛ فجزى الله القائمين على المركز خير الجزاء بما يبذلونه من جهود جليلة في خدمة العربية وطلابها.

نشر الشرح في أربعة أجزاء ضخمة بلغت عدة صفحاتها (2615)، وهو في الأصل كما ذكر الدكتور تركي في كتابه أنها رسالة دكتوراه حصل بها د. عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالعزيز الحُمَيْدِيّ على درجة الدكتوراه في النحو والصرف، ونوقش في عام 1409هـ. وقال الدكتور تركي في ص(ج) من تصدير الشرح «وللإيضاح العضدي شروح متعددة، وشرح العكبري من أهم هذه الشروح، حقّق القسم الأول من هذا الشرح في هذه الرسالة التي نال بها صاحبها درجة الدكتوراه بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، فهي تطبع لأول مرة، وحقق القسم الثاني المتعلق بشرح التكملة في رسالتَي دكتوراه» وفي الحاشية (4) «طبعتها مكتبة الرشد في الرياض، بتحقيق د.فوزية العتيبي ود. حورية الجهني».

قال الدكتور تركي «وشرح الإيضاح لأبي البقاء تميّزَ عن غيرِه من الشروح بسعةِ مادّتِه، وغزارةِ شواهدِه، وتفرُّدِه بشواهدَ من الشِّعرِ لم تردْ عند غيره في كتب النحوِ المتقدّمةِ عليه، وبعضُها أو جلُّها من حماسة أبي تمام - رحمه الله تعالى- وله في العللِ اختياراتٌ جيادٌ، واعتلالاتٌ أخرى تفطَّنَ لها، وأشار إليها ولم يسبق إليها، وميزاتُ هذا العمل كثيرةٌ، ليس هذا مكانَ حصرِها»(2).

ومن هذه الميزات أن نالته دراسة علمية دقيقة بين يدي الشرح بلغت 230 صفحة تقريبًا، مهدّ المحقق فيها بكلمة عن الفارسي وكتابه الإيضاح، وعن حياة العكبري التاريخية والعلمية ثم عن الاتجاه النحوي في عصر العكبري، وجعلت الدراسة في ثلاثة فصول، عالج الفصل الأول مذهب أبي البقاء العكبري النحوي في كتابه (شرح الإيضاح) فكان حديث عن موافقته البصريين آراءهم، وموقفه من الكوفيين، وموافقته نحويين آخرين، وأُبرزت الآراء التي انفرد بها، ثم موقفه من آراء أبي عليّ في الإيضاح، وموقفه من شرّاح الإيضاح السابقين، أمّا الفصل الثاني فعرض للكتاب وتحليل، حيث وقفنا على منهج أبي البقاء في شرحه الإيضاح فبانت فيه طريقته في الشرح وتعليله للأحكام النحوية، ووقفنا على عرضه الآراء النحوية وشواهده المتنوعة: الشواهد القرآنية، والشواهد من الحديث والأثر، والشواهد من المأثور من كلام العرب وأمثالهم، والشواهد الشعرية، وبعد أن أنهى الدارس القول في المنهج بيّن مصادر الكتاب، وهي مصادر منها ما صرح بذكره العكبريّ ومنها ما لم يصرح بذكره، ثمّ وقفنا بعد ذلك على أمر بالغ الأهمية، وهو بيان قيمة الكتاب العلمية، فأوضح خصائصه وميزاته أوّلًا، ذكر منها العناية بشرح بعض الألفاظ والمصطلحات والأمثلة، ومنها العناية بالحدود، وبيان أثر الإعراب في المعاني، والعناية بمسائل تطبيقية، والاستطراد إلى مسائل فقهية، والإشارة إلى مسائل عروضية، ثم تحدث المحقق الدارس عن المآخذ على الشرح، منها مآخذ منهجية كإيراد بعض المسائل في غير أبوابها، والإحالات والوعود التي لا تتحقق، ومنها مآخذ علمية بعضها مآخذ لغوية يسيرة ومآخذ نحوية، مثل عدّه الإضمار في قوله تعالى «فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى» [67-طه] من قبيل الإضمار على شريطة التفسير، والصواب أنه إضمار قبل الذكر لفظًا لا رتبة، ومنها مآخذ تصريفية قليلة، ومآخذ عروضية، ومآخذ توثيقية كالخطأ في نسبة بعض الأشعار ونسبة بعض الآراء والأقوال، وتوهم الإجماع في بعض المسائل، ووقفنا المحقق الدارس على مآخذ أخرى منها التعميم كإطلاق القول بأن الكوفيين أجازوا توكيد النكرة، وهم اشترطوا كون النكرة مفيدة وكون المؤكد من ألفاظ الإحاطة، ومنها التناقض كقوله مرة أقل الجمع اثنان ومرة أخرى ثلاثة، ومنها التساهل في التعبير، ورصد الدارس مآخذ أسلوبية، حسب تعبيره، من أمثلتها ترك الواو من (ولا سيما)، واستعمال (هل) و(أو) و(هل) و(م) في التصوّر، وإعادة (بين) مع الاسم الظاهر، وحذف الفاء من جواب (أما)، وحذف جواب الشرط من غير دليل، وختم هذا الفصل بحديث عن شخصية أبي البقاء من خلال شرحه الإيضاح، وخلص إلى «ظهور شخصيَّة أبي البقاء العِلْميَّةِ، وَأَنَّها لَمْ تَطغَ عَلَيْها شخصية أبي عَليّ وَعِلْمُهُ. وَأَبو البقاء بارزُ الرَّأي في جميع مَباحِثِ الكِتابِ وبخاصة في مسائل الخلافِ الَّتِي يَعْرِضُها، فالغالب عليه الاختيار والترجيح، وَكَثيرًا ما يُصَرِّح بذلك كَقَوْلِهِ بَعْدَ عَرْضِ الْأَقْوالِ وَالْآراءِ والمذاهب: «والوَجْهُ عِنْدي» أو «والتحقيق» أو «والذى أخْتارُهُ» أو «وَيُقَوِّي ذلك عِنْدي»، وَنَحْو هذه العبارات التي تَبْرُزُ فيها شخصيته وَثِقَتُهُ بِنَفْسِهِ وَعِلْمِهِ. ومن هذا أَيضًا الآراء الَّتِي انْفَرَدَ بِها أَو سَبَقَ إِلَيْهَا»(3).

أما الفصل الثالث فموازنة بين شرح أبي البقاء العكبري وشرح عبد القاهر الجرجاني (المقتصد)، قدم لمحة عن كتاب المقتصد، ثم شرع في الموازنة بين الشرحين من حيث طريقة الشرح والتعليل للأحكام النحوية وعرض الآراء النحوية وموقفهما من آراء أبي عليّ وعباراته في الإيضاح، وشواهدهما النحوية، وبهذا تنتهي مرحلة الدراسة التي لعل الدارس أراد أن تكون أوّلًا، وإن لم يصرح في مسرد المحتويات بذلك؛ ولكنه كتب «ثانيًا: التحقيق»، وذكر صفحة تضمنت الرموز والمختصرات، وكتب مقدمة التحقيق بيّن فيها توثيق اسم الكتاب ونسبته إلى أبي البقاء ثم وصف النسخ؛ فجعل النسخة الأولى أصلًا لنفاستها وتمامها وجودتها ورمز لها بالرمز (ص). ثم وقفنا على منهجه في التحقيق، وجاء فيه «نسخت الكتاب متّخذًا نسخة تركيا المرموز لها بـ(ص) أصلًا؛ للأسباب المذكورة في وصف النسخ، مع المحافظة على الضبط الصحيح الذي ضبطت به كلماتها»(4). ولعل المحقق الدارس خالف عن ذلك بعض المخالفة؛ إذ اطّرد عنده وضع تنوين المنصوب على الألف؛ ولكن الظاهر من صور النسخة (ص) أن التنوين على الحرف لا الألف، مثال الألفاظ (كتابًا)، (سَليمًا)، (وَاضحًا)، (وَافيًا)، (كَافيًا)(5)، والألفاظ (مُفَسّرًا)، (وجْهًا صَحيحًا)(6)، (وَمَجْمُوْعًا)(7). والألفاظ (ضميرًا مستترًا)، (زيدًا قائمًا)(8)، هذه كلها في المخطوط جاء التنوين على الحرف لا الألف. ومن الغريب أنه يرسم الشدة وفوقها فتحة والألف فوقها فتحتان، فهو بهذا يكرر حركة النصب من غير حاجة، مثل: جدَّاً 1/75، 79، مَبْنيَّاً/ مَبْنيَّاً مَحْكيَّاً 1/82، مُسْتَعِدَّاً 1/89، 367، خَبَرِيَّاً لا إِنْشائيَّاً 1/102، لُغَويَّاً 1/109. والصواب: جدًّا، مَبْنيًّا، مَحْكيًّا، مُسْتَعِدًّا، خَبَرِيًّا، إنْشائيًّا، لُغَويًّا.