شراكات لنظام عالمي عادل

تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة دورتها الـ81 في الأسبوع الأول من الشهر المقبل، في وقت تخيم فيه على العالم أزمات مستفحلة أَعْيَت من يداويها، رغم توفر العلاج، لكن في غياب الإرادة السياسية التي تعترف بأن العالم بعد 8 عقود قد تغير تماماً، ولم يعد جامداً كما كان في 1945.يبدأ «برلمان العالم» دورته الجديدة، وفي أجندته العديد من القضايا الساخنة، مثل الأمن والسلم الدوليين، وإحياء وتعزيز الإزالة الكاملة للأسلحة النووية، وإصلاح المنظمة الدولية نفسها، وفعالية أهداف التنمية المستدامة، والتغير المناخي، والصحة العامة، وحقوق الإنسان، واختيار القيادات الجديدة للأمم المتحدة ومنظماتها ووكالاتها.يمثل إصلاح الأمم المتحدة وترقية أدوات وقواعد عملها، لتصبح أكثر تمثيلاً وعدالة وكفاءة، أولوية منذ أكثر من ثلاثة عقود، في ظل التحديات العالمية، وقد نجحت الأمم المتحدة في تحديث بعض هياكلها التنظيمية للاستجابة للمستجدات، فنشأت هياكل ووكالات رعاية الطفولة، والغذاء العالمي، وحقوق الإنسان، والعدالة الجنائية الدولية، والتجارة العالمية، والتغير المناخي، والمرأة.. إلخ، لكنها وقفت في عقبة إصلاح مجلس إدارة العالم طويلاً من دون أي تقدم، بل من دون رغبة من الكبار في التنازل عن حقوق لم تعد تتناسب مع العدالة الدولية، وتتعارض مع إرادة المجتمع الدولي.ليس خافياً أن الدعوات والمطالبات بالإصلاح، تتركز بشكل أساسي على إصلاح مجلس الأمن الدولي، وتعديل آليات صنع القرار، لتعكس واقع النظام الدولي الحالي، وقد خلصت لجان الدراسات ومجالس الحكماء ولجنة الحوار الحكومي، إلى حصر أبرز الحلول والمقترحات للإصلاح في توسيع عضوية مجلس الأمن، بزيادة عدد المقاعد الدائمة وغير الدائمة، بهدف تحقيق تمثيل عادل للمكونات العالمية، خاصة الدول النامية وقارتي إفريقيا وأمريكا اللاتينية، التي تفتقر للتمثيل الكافي، إلى جانب تقييد استخدام حق النقض (الفيتو) للحد من الإفراط في استخدام هذا الحق الذي كان مبرراً قبل 80 عاماً، لكنه لم يعد مقبولاً في القرن الـ21.من وصمات العار التي تشوه وجه العالم المتحضر، أن تستخدم القوى الكبرى حق النقض، لتعطيل القرارات الإنسانية والدولية المُلِحَّة، وقد أسرفت الولايات المتحدة في استخدام هذا الحق لتعطيل القرارات الرامية إلى وقف الحروب والاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين وعلى دول الجوار، كما نقضت روسيا كل قرار دولي من المجلس، يضع حداً لحربها المستمرة منذ سنوات في أوكرانيا، بل إن بعض الدول باتت تنتهك القانون الدولي بسلوك غير مقبول، في عالم متعدد الأقطاب، وتتصرف كأنها القطب الواحد والوحيد في العالم، وتتجاهل القواعد الأساسية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وتنتهك قواعد القانون الدولي.إن النظام الدولي الذي وُلِدَ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تنهض فيه الأمم المتحدة بدور محوري، يواجه منذ سنوات تحديات غير مسبوقة، مثل تفشي الأحادية، والتصرف في العالم، من دون رقيب أو مراعاة للقانون الدولي، والحمائية للإضرار الاقتصادي والمالي بالدول الأخرى.العالم اليوم أشد ما يكون حاجة للأمم المتحدة ولدورها المركزي والمحوري في تنظيم العلاقات الدولية، للعبور السهل والسلس أمام التحديات الماثلة والمتجددة. الحلول ماثلة للعيان، أهمها تعزيز دور الجمعية العامة باعتبارها مجلس الشركاء المتساوين، وذلك بزيادة صلاحياتها، لتكون أكثر قدرة على الرقابة وموازنة قرارات مجلس الأمن عند العجز أو الشلل، والعمل على ترقية وتطوير إدارة المنظمة وتمويلها، بحيث لا تكون رهناً لإرادة ورغبة أو مصلحة الممول الأكبر، من أجل بناء نظام عالمي عادل.