لم تعُد الحرب في إيران قاصرة على أسعار النفط والأسمدة، أو على سلاسل الطاقة العالمية، بل امتدت تداعياتها إلى أكثر فاكهة شعبية في الولايات المتحدة: الموز، حيث تكشف رحلتها من المزرعة إلى متاجر البقالة مدى قسوة التأثير في الاقتصاد العالمي، فالحرب رفعت كلفة الديزل، والديزل يرفع كلفة وقود السفن والشاحنات المبردة، والأسمدة ترفع كلفة المزارع، والمتاجر تخشى رفع السعر.وبحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» فإن نقل الموز إلى أمريكا أصبح أكثر تعقيداً، منذ أن ضغطت الحرب على سلاسل التوريد العالمية، ورفعت تكاليف، الوقود والأسمدة، والمواد الخام، وصولاً إلى مؤشرات غير متوقعة في متاجر البقالة.الموز، الذي يبدو سلعة بسيطة ورخيصة، هو في الحقيقة إنجاز لوجستي هش: فاكهة قابلة للتلف، تُنقل آلاف الأميال من المناطق الاستوائية، وتُحفظ في ثلاجات، ثم تُباع بأقل من ربع دولار للواحدة. وهذا النموذج بات مهدداً اليوم بمزيج من الحرب، والرسوم الجمركية، وتغيّر المناخ، والأمراض، وارتفاع تكاليف الطاقة.التداعيات.. من مضيق هرمز إلى رفّ البقالةويشير التقرير إلى أن تداعيات الحرب رفعت أسعار النفط والأسمدة ومنتجات أخرى، لكن الموز كان أكثر عرضة للضغط لأنه يُشحن لمسافات طويلة، ويحتاج إلى تبريد دائم.وتمثلت التداعيات في ارتفاع سعر الديزل في الولايات المتحدة بنحو 70% منذ بدء الحرب قبل سبعة أشهر، وبلغ ذروته فوق 6 دولارات للغالون. وهو وقود ضروري لأسطول شاحنات التبريد.كما ارتفعت أسعار الوقود الثقيل الذي يشغّل سفن الشحن، ما ألقى بظلاله على شركة الموز الكبرى في أمريكا «ديل مونتي». كما زادت تكاليف وقود أنظمة الري لدى المزارعين في أمريكا الوسطى والجنوبية.أما الأسمدة، فقد أصبحت أكثر كلفة لأن كثيراً منها بمساعدة الغاز الطبيعي القادم من الشرق الأوسط. وبشأن الشحن، فقد امتدت تكاليفه المرتفعة إلى الكرتون، والتغليف البلاستيكي، والمواد الكيميائية التي تُرش على الموز لمنع الأمراض.وكان مضيق هرمز ينقل سابقاً نحو ثلث أسمدة العالم، وربع النفط المنقول بحراً، لكن عمليات العبور فيه لا تزال جزءاً صغيراً مما كانت عليه. كما تجاوزت الأسعار العالمية للنفط 100 دولار للبرميل مرات عدة خلال الأشهر السبعة الماضية. وعلى الرغم إعلان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً انتهاء الحرب، لم يصمد وقف إطلاق النار حتى الآن. ويقول محمد عباس، رئيس «ديل مونتي»: «عبر سلسلة التوريد، كل شيء يعتمد على الطاقة».اقتصادات الموز.. فاكهة رخيصة بهوامش شبه معدومة**media[8175138]**الموز هو الفاكهة الأكثر استهلاكاً في الولايات المتحدة، إذ يأكل الأمريكيون نحو 80 موزة سنوياً في المتوسط. لكنه لا يحقق أرباحاً كبيرة للمتاجر أو الشركات المنتجة. فالمتاجر تسعّره بسعر منخفض كـ«منتج جذب بخسارة» لدفع المتسوقين إلى الدخول، ثم تعوّض الربح من سلع أخرى. ويوضح التقرير أن متوسط سعر الموز في الولايات المتحدة كان نحو 65 سنتاً للرطل في أغسطس، ولم يتغير كثيراً خلال العقد الماضي على الرغم من ارتفاع التكاليف. وبعد تعديل التضخم، انخفض متوسط السعر نحو النصف خلال 40 عاماً. أما سعر الموزة الواحدة فغالباً ما يقل عن 15 سنتاً. والنتيجة أن هوامش الربح ضئيلة جداً، وكان هامش ديل مونتي على الموز في الربع الثاني 2.3% فقط.ويؤكد داني دوما، نائب رئيس ديل مونتي أمريكا الشمالية: «كل شيء أصبح يكلف مالاً أكثر. إذا سألتني، فهذه أزمة».الرحلة الكاملة لموزة «ديل مونتي»**media[8175136]**وتنبت بعض شحنات الموزات في تيكيساتي، وهي سهل فيضي تنتشر فيه المزارع على ساحل غواتيمالا المطل على المحيط الهادئ. وتجري تعبئة الموز بعناية لتجنب الكدمات، ثم نقل الموز أكثر من 250 ميلاً في شاحنة مبردة إلى سانتو توماس دي كاستيا، وهو ميناء على ساحل غواتيمالا الكاريبي.وتحمل سفينة «ديل مونتي سبيريت» الموز إلى غلوستر سيتي، في نيوجيرسي. والسفينة واحدة من 7 سفن في أسطول ديل مونتي، وطول الواحدة مماثل لطول ملعبي كرة قدم، وتقطع رحلة دورية عبر البحر الكاريبي كل أسبوعين.وتحمل السفينة نحو 7% من الموز الذي سيُستورد إلى الولايات المتحدة في الأسبوع، لتزود منطقة تمتد من آيوا إلى نورث كارولينا ونوفا سكوشا. ويكون لدى الطاقم 40 ساعة فقط، لتفريغ ملايين الموزات القادمة من غواتيمالا وكوستاريكا قبل الإبحار لرحلة الأسبوع التالي. وتفرغ ديل مونتي في غلوستر سيتي ما يصل إلى 300 ألف صندوق موز أسبوعياً.وتُشحن الحاويات مباشرة إلى تجار التجزئة، أو إلى منشآت إنضاج خاصة، حيث تُرفع الحرارة ببطء ويُضاف غاز الإيثيلين ليصبح الموز أصفر نقياً بلا عيوب. وانتهت رحلة الموزة داخل متجر في بيركاسي، بولاية بنسلفانيا.الضغط على المنتجين.. بيرو نموذجاًلا تقتصر الأزمة على الشركات الكبرى. ففي شمال بيرو، قال المنتج ميغيل أنخيل موراليس إن مرض بنما قضى على واحد من كل ثلاثة أودية لزراعة الموز في منطقته، ما أجبره وآخرين على نقل مزارعهم. وكانت المنطقة تنتج 12 حاوية موز قبل خمس سنوات، لكن المزارعين يملؤون الآن حاوية واحدة فقط.ويقول موراليس إن التكاليف قفزت 25 % إلى 30% هذا العام، مع دعم قليل، من البنوك أو الحكومة. ولم يرفع أسعاره بعد لأن العقود السنوية ثبّتها. وأضاف: «إذا ارتفعت تكاليف الإنتاج، فمن المنطقي أن ترتفع أسعار الموز»وتخشى شركات الموز أن يؤدي ارتفاع الأسعار إلى امتناع المزارعين عن استخدام الأسمدة والمواد الكيميائية المعالجة للأمراض، ما يعني محصولاً أصغر العام المقبل. وقد بدأ بعض مزارعي أمريكا الوسطى بالفعل، التحول إلى الأناناس.إلى جانب الحرب، تواجه صناعة الموز تحديات أخرى، من بينها تغير المناخ، حيث تعد ظاهرة إلنينيو شديدة القسوة هذا العام، وكذلك الرسوم الجمركية، قبل أن تستثني إدارة ترامب بعض الأغذية غير المزروعة محلياً، في نوفمبر. وكذلك نقص سائقي الشاحنات، جزئياً بعدما جردت إدارة ترامب أكثر من 30 ألف سائق من رخصهم التجارية.هل ترتفع الأسعار؟السعر الذي يبيع به كثير من المنتجين الموز مثبت بعقود طويلة الأجل، بعضها ينتهي في ديسمبر. لكن ليس واضحاً مقدار ما ستسمح متاجر البقالة للأسعار بارتفاعه. وقال توم ستينزل، المدير الإداري لرابطة الموز لأمريكا الشمالية، إن فكرة أن تجار التجزئة لا يستطيعون رفع سعر الموز هي «شبه أسطورة». وأضاف أن قدرة صناعة الموز على استيعاب التكاليف «عند نقطة الانهيار»، وسأل: «ماذا يمكنك أن تشتري أيضاً في متجر بقالة مقابل 25 سنتاً؟»وفي المقابل، يرى مديرون أن المنافسة الشديدة وهيمنة نموذج «منتج الجذب» يمنعان رفع السعر بسهولة، على الرغم من أن الجهد المبذول في إنتاج الموز لا علاقة له بسعره النهائي.