شحاتة السيد يكتب: حين يحذر صُنّاع الآلة منها.. أين يقف الإنسان؟

وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا توقفت طويلاً هذا الأسبوع أمام خبر بدا للوهلة الأولى خبراً سياسياً عادياً، ثم ما لبث أن تحول في ذهني إلى واحد من أغرب المشاهد في تاريخ الإنسان مع المعرفة. يوم الأربعاء الماضي عقد مجلس الأمن الدولي، ذلك المجلس الذي وُجد منذ البداية ليناقش الحروب والأسلحة ومصائر الشعوب، جلسته الأولى في التاريخ عن الذكاء الاصطناعي.لم يكن انعقاد الجلسة وحده هو ما شد انتباهي، فالعالم اعتاد أن يتحدث عن التقنية في المؤتمرات الاقتصادية ومنتديات الأعمال، أما الذي جعلني أعيد قراءة الخبر مرة بعد مرة فهو هوية من وقفوا على المنصة يحذرون. لم يكونوا فلاسفة قلقين، ولا كتاباً متوجسين، ولا خصوماً للتقنية أصلاً، كانوا صُنّاعها أنفسهم، يقفون أمام وزراء خارجية العالم ليقولوا إن ما صنعوه بأيديهم أصبح يحتاج إلى حذر العالم كله.

كان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، واقفاً داخل القاعة، وكان داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، يتحدث عبر الشاشة، وكان يوشوا بنجيو، الذي يصفه الجميع بالأب الروحي للذكاء الاصطناعي، يلقي الكلمة الافتتاحية. وحين تمعنت في كلماتهم وجدتها أقرب إلى اعتراف منها إلى خطاب. بنجيو قال بكلمات لا تحتمل التأويل إن ما أقدمت عليه النماذج في الهجمات السيبرانية الأخيرة أفعال كانت ستُعد جرائم لو ارتكبها إنسان، وألتمان قال إن أمامنا خياراً واحداً، إما أن يكون الذكاء الاصطناعي نهضة جديدة من الإبداع، أو ثورة صناعية جديدة من الاضطراب والفوضى، ثم تعهد الاثنان معاً بإبطاء طرح النماذج، وحذرا صراحة من فقدان السيطرة عليها أو وقوعها في الأيدي الخطأ.

تأمل معي يا عزيزي القارئ هذه المفارقة جيداً. منذ متى كان الصانع يحذر الناس من صناعته؟ طوال تاريخ البشرية كان المخترع أول المحتفين باختراعه، يخرج إلى الناس حاملاً صناعته كما يحمل الأب مولوده، يعدهم بأنها ستغير حياتهم إلى الأفضل، ولا يذكر أخطارها إلا منكراً أو مستنكراً.بائع السيف لا يقف في السوق ليحذر المارة من حدته، وصانع السفن لم يخرج يوماً ليخيف الناس من البحر. صحيح أن التاريخ يحفظ لحظات نادرة شابهت هذا المشهد، كحين وقف روبرت أوبنهايمر بعد القنبلة الذرية مدركاً أنه أصبح مدمراً للعوالم، لكن أوبنهايمر ندم بعد أن استُخدمت صناعته، أما هؤلاء فيحذرون قبل أن يكتمل البناء، وكأن البنّاء توقف في منتصف الطريق ليقول للناس: ربما كان علينا ألا نبدأ بهذه السرعة.

أحسب أن في هذا المشهد ما هو أعمق من التحذير نفسه: لحظة اعترف فيها أذكى عقول العصر، وأكثرها معرفة بهذه التقنية، بأنها لا تملك الإجابة الكاملة عما تصنعه.

وهذا اعتراف يستحق الوقوف عنده طويلاً، لأن هؤلاء لم يخرجوا من صفوف المتشائمين، ولم يبنوا سمعتهم على معاداة التقدم، بل هم الذين كتبوا الشيفرة ودربوا النماذج ورفعوا راية العصر الجديد، فإذا كان أصحاب البيت أنفسهم يخافون من أركانه، فعلى من يقف خارجه أن يتأمل طويلاً قبل أن يطمئن.

ولعل السؤال الذي ظل يطاردني بعد قراءة الخبر ليس سؤالاً تقنياً على الإطلاق. لم أسأل نفسي كيف ستُنظم الدول هذه النماذج، ولا متى ستتفق على المعايير، فهذه أسئلة السياسة وقد تتأخر إجاباتها سنوات.السؤال الذي أرى أنه يخص كل واحد منا مختلف تماماً: ما الذي يحدث للإنسان حين يصنع شيئاً يفوق قدرته على الإحاطة به؟ وهل تعلمنا نحن، بعد آلاف السنين من صناعة الأدوات، كيف نصنع الحكمة بالسرعة نفسها التي نصنع بها القوة؟

لطالما آمنت أن التاريخ لا يعاقب الإنسان على صناعة القوة، وإنما يعاقبه على صناعتها بلا حكمة تحملها. النار التي دفأت الكهوف هي النار نفسها التي أحرقت المدن، والمعادن التي صنعت المحراث صنعت السيف، والذرة التي أضاءت المدن بالكهرباء هي التي أسدلت الظلام على هيروشيما.لم تكن المشكلة يوماً في الشيء المكتشف، كانت دائماً في المسافة بين ما تستطيعه أيدينا وما تستطيعه قلوبنا، بين قدرتنا على الصنع وقدرتنا على التوقف، بين السؤال الذي نعرف إجابته والسؤال الذي نظن أننا نعرف إجابته.

وفي كلمات الجلسة عبارة مر عليها كثيرون مروراً سريعاً بينما أراها مفتاح المشهد كله. حذر بنجيو من تركز سلطة الذكاء الاصطناعي في يد حفنة من الشركات والأفراد والحكومات، وقال ألتمان إن مختبرات سان فرانسيسكو وحدها لا يمكن أن تتخذ أهم القرارات عن العالم. تأمل هذا الاعتراف جيداً: صناع التقنية يعترفون بأنفسهم أن القرار أكبر منهم، وأن غرفة صغيرة في كاليفورنيا لا ينبغي أن تكتب مستقبل ثمانية مليارات إنسان. متى في التاريخ قال صاحب السلطة عن سلطته هذا الكلام؟ لعل في ذلك بذرة أمل، ولعل فيه أيضاً دليل على حجم الورطة، فالذين يعرفون الحقيقة كاملة هم أكثر الناس خوفاً منها.

وسط هذا كله جاء موقف الرئيس الأمريكي رافضاً أي تنظيم عالمي للتقنية، لتكتمل صورة العصر: صناع الآلة يطلبون كبحها، وبعض أصحاب القرار السياسي يرفضون الكبح.انعكست الأدوار تماماً، فبعد أن كان السياسيون يحذرون من اندفاع المخترعين، أصبح المخترعون يحذرون من اندفاع السياسيين، وبين هؤلاء وهؤلاء يقف الإنسان العادي متفرجاً على سباق لا يعرف خط نهايته، ولا يملك فيه صوتاً، مع أن حياته كلها أصبحت تعيش داخل هذه النماذج: في هاتفه، وفي عمله، وفي أخباره، وربما قريباً في قرارات تُتخذ عنه دون أن يشعر.

أدركت وأنا أتابع الجلسة أن أصدق ما فيها لم يكن الخوف من الآلة، بل عودة السؤال القديم إلى واجهة الوجود الإنساني.. منذ بدأ الإنسان يصنع الأدوات وهو يواجه السؤال نفسه بصور مختلفة: هل يملك من الحكمة ما يكفي لما يملك من قدرة؟ أجابت الحضارات عن هذا السؤال بطرق مختلفة، فمنها من نجا ومنها من سقط، لكن السؤال نفسه لم يُلغ يوماً، كان يعود في كل عصر بثوب جديد، واليوم يعود في ثوب الذكاء الاصطناعي، أعظم أدوات الإنسان وأكثرها تشابهاً مع صانعها.

ولهذا لا أرى أن جلسة مجلس الأمن كانت جلسة عن التقنية، كانت في عمقها جلسة عن الإنسان.. الآلة لم تطلب الجلسة، ولم تحذر من نفسها، نحن من صنعناها ثم وقفنا نحذر منها، وكأن العقل البشري أنتج أخيراً مرآة كبيرة بما يكفي ليرى فيها نفسه على حقيقته: كائن مذهل في قدرته على الصنع، ما يزال يتعلم كيف يعيش مع ما يصنع.ولعل هذه هي المفارقة الأخيرة التي تستحق أن نتأملها: أعظم ما كشفه الذكاء الاصطناعي حتى اليوم لم يكن شيئاً عن الآلات، بل عنا نحن، عن طموحنا، وعجلة نفوسنا، ورغبتنا القديمة في أن نمضي إلى أقصى الطريق قبل أن نسأل إلى أين يؤدي.

ربما تنجح الدول في الاتفاق على المعايير، وربما تفشل، وربما تتعهد الشركات بالإبطاء ثم تفي أو لا تفي، فهذه كلها معارك السياسة والاقتصاد وستأخذ مداها.. أما المعركة التي لا يجوز أن نخسرها فهي تلك التي تدور داخل كل واحد منا: أن نظل نسأل، وأن نرفض أن تتحول المعرفة إلى غرور، وأن نتذكر أن صانع السفينة الأول لم يكن أعظم من البحر، وأن كل قوة صنعها الإنسان عبر التاريخ لم تحمه من نفسه إلا حين صاحبتها حكمة بحجمها.