جاءت اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين هذه المرة وسط حالة من الضبابية وعدم اليقين والتي تسيطر على الاقتصاد العالمي.. وخيمت حالة من التشاؤم والقلق على المشاركين في الاجتماعات التي اختتمت أعمالها السبت الماضي في واشنطن بسبب الحرب الأمريكية- الإيرانية وما ترتب عليها من تداعيات اقتصادية ووسط توقعات بأن الاضطرابات الاقتصادية والمالية المرتبطة بالحرب قد تستمر لفترة ليست بالقصيرة.
والاجتماعات شارك بها محافظو البنوك المركزية ووزراء مالية ومسؤولون من مختلف أنحاء العالم للتشاور مع المستثمرين والمصرفيين، لكن التركيز هذا العام انصبّ على صدمة الطاقة الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، والتي أدت إلى اضطراب إمدادات الغاز وارتفاع التضخم عالميًا.
وهو ما عبرت عنه مؤسسات دولية التي اعتبرت أن الإغلاق الحالي للمضيق تسبب في أشد صدمة في إمدادات النفط.. وأن القضية لم تعد تتعلق بسعر النفط، بل بتوافر النفط والغاز أصلًا..
واختتمت في العاصمة الأمريكية - واشنطن- اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي وسط مناقشات قوية لتأثيرات الحرب في الشرق الأوسط والتي سيطرت على جزء كبير من تقارير وجلسات تلك الاجتماعات.
وشهدت الاجتماعات صدور تقارير رئيسية لصندوق النقد الدولي شملت تقرير آفاق الاقتصاد العالمي وتقرير الاستقرار المالي العالمي والراصد المالي تناولت تأثير تصاعد المخاطر الجيوسياسية وفي مقدمتها الحرب في الشرق الأوسط على النمو العالمي والتضخم واستقرار الأسواق مع الإشارة إلى أن استمرار النزاعات قد يؤدي إلى تقلبات في أسعار الطاقة وتعطيل سلاسل الإمداد.
وتطرقت الفعاليات للتحديات المرتبطة بارتفاع معدلات التضخم وتباطؤ النمو، إضافة إلى تأثير الصدمات على الأسواق لا سيما في ما يتعلق بالطاقة والتجارة الدولية.
تضمنت الاجتماعات عددا من الجلسات تناولت تأثير النزاعات وفي مقدمتها الحرب في الشرق الأوسط على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
وشكلت الحرب في منطقة الشرق الأوسط، وتأثيراتها الاقتصادية، أحد أهم الملفات على مائدة المناقشات واعتبرها البعض صدمة ثالثة كبيرة للاقتصاد العالمي بعد جائحة فيروس كورونا كوفيد-19 والحرب الروسية- الأوكرانية في عام 2022، وسط أحاديث من كبار مسؤولي صندوق النقد والبنك الدولي عن توقعاتهم بانخفاض معدلات النمو العالمي وارتفاع معدلات التضخم نتيجة للحرب، وحذروا من أن الأسواق الناشئة والدول النامية ستكون الأكثر تضررًا من ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل الإمدادات نتيجة أزمة مضيق هرمز الذى يمر منه 20% من إمدادات الطاقة العالمية.
وقالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا إن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات يهددان النمو العالمي ويضغطان على الدول الأكثر هشاشة.
وأكدت أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في معاناة إنسانية واسعة وألحقت أضرارًا اقتصادية بالمنطقة، داعية إلى وقف إطلاق النار والتوصل إلى سلام دائم.
وأضافت أن التأثير في الاقتصاد العالمي كبير بالفعل، مشيرة إلى أنه حتى في حال كان الصراع قصير الأمد، فإن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية واضطرابات سلاسل الإمداد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتراجع النمو من 3.4% في عام 2025 إلى 3.1% هذا العام.
وحذرت جورجيفا من أنه في حال استمرار الصراع وارتفاع أسعار النفط، فإنه يتعين الاستعداد لفترة صعبة، موضحة أن تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر أخيرًا يتضمن سيناريوهات متعددة، من بينها احتمال تراجع النمو إلى 2% في أسوأ الحالات.
وأكدت أن جميع دول العالم تتأثر بارتفاع أسعار الطاقة، لكن التأثير يظل غير متكافئ، إذ تتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر..
وحذرت من ارتفاع الدين العام مشيرة إلى أن الدين العالمي قد يتجاوز 100% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، وهو مستوى لم يسجل منذ أعقاب الحرب العالمية الثانية، مؤكدة ضرورة تحقيق التوازن بين الحفاظ على الاستدامة المالية وحماية الفئات الأكثر تضررًا.
وشددت على أن صناع السياسات يجب ألا يغفلوا عن التحولات الكبرى التي تؤثر في الاقتصاد العالمي، مثل العوامل الجيوسياسية والتجارة والمناخ والتكنولوجيا، مؤكدة أن الإصلاحات الهيكلية تمثل خط الدفاع الأساس ضد الصدمات المستقبلية.
وفي مؤتمر صحفي قالت جورجيفا إن مصر نفذت إصلاحات صعبة جعلتها في وضع أفضل لمواجهة الصدمة، على رغم تأثرها بأسعار الطاقة وسعر العملة، مشيدة بسياسات الحكومة المستهدفة وبرامج الحماية الاجتماعية
وعلى مستوى المنطقة، أعربت عن قلقها من تراجع النمو، مشيرة إلى خفض توقعات النمو في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان إلى 1.1% في عام 2026، مقارنة 3.9% سابقًا، مع توقع أن تسجل الدول المصدرة للنفط والغاز أكبر انكماش اقتصادي.
ودعت جورجيفا إلى اتخاذ إجراءات فورية لخفض استهلاك الطاقة، مثل تعزيز النقل العام والعمل عن بعد، والتحول إلى أنشطة أقل استهلاكًا للطاقة.
وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، نصحت البنوك المركزية التي تتمتع بصدقية بالتحلي بالصبر وعدم التسرع في رفع أسعار الفائدة، مع مراقبة تطورات الأوضاع.
وأشارت جورجيفا إلى ارتفاع توقعات التضخم في 2026، بعد أن كان في مسار هبوطي، لافتة إلى ارتفاع التوقعات قصيرة الأجل في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو، في حين لا تزال التوقعات طويلة الأجل مستقرة نسبيًا.
وحذرت من انتقال التضخم إلى أسعار الغذاء، خصوصًا في حال استمرار ارتفاع أسعار الأسمدة، مشيرة إلى أن أسعار اليوريا تضاعفت لتصل إلى نحو 800 دولار.
وفيما يتعلق بتداعيات إغلاق مضيق هرمز، أكدت أن تأثير اضطرابات إمدادات النفط والغاز يعتمد على مدة الأزمة وحجم الأضرار في البنية التحتية للطاقة في الخليج.
وعلى جانب آخر خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، محذرًا من أن اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي حاد وارتفاع معدلات التضخم، فضلًا عن احتمال حدوث أكبر صدمة في أسواق الطاقة في التاريخ الحديث.
وأكد الصندوق أن النمو الاقتصادي العالمي من المتوقع أن يبلغ 3.1% في عام 2026، في ظل تداعيات التوترات الجيوسياسية واضطرابات أسواق الطاقة، مع افتراض أساسي بأن تبقى الحرب مع إيران محدودة النطاق وأن تنتهي اضطراباتها بحلول منتصف العام.
وأوضح الصندوق أن اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى ستكون من بين الأكثر تضررًا، حيث خفض توقعاته لنموها بنحو 2% إلى 1.9%، مشيرًا إلى أن تداعيات الحرب مع إيران تمثل تحديًا كبيرًا لاقتصادات المنطقة.
ورفع صندوق النقد الدولي توقعاته للتضخم العالمي إلى 4.4% خلال العام الجاري، مع توقع تراجعه تدريجيًا إلى 3.7% بحلول عام 2027، محذرًا من أن اتساع رقعة الصراع قد يؤدي إلى تسارع التضخم بوتيرة تفوق السيناريو الأساسي.
وأكد الصندوق أن تفاقم التوترات الجيوسياسية، خصوصًا في منطقة الخليج، قد يؤدي إلى أكبر صدمة في أسواق الطاقة في التاريخ الحديث، وهو ما من شأنه أن يضغط على النمو الاقتصادي العالمي ويزيد من حدة الضغوط التضخمية.