لم تعُد مغادرة الأبناء منزل الأسرة في بريطانيا محطة طبيعية في مسار الانتقال إلى الاستقلال، إذ دفعت أزمة العمل وارتفاع تكاليف السكن ملايين الشباب إلى البقاء مع آبائهم لسنوات أطول. وتشير بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية إلى أن نحو واحد من كل ثلاثة أشخاص تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، أي قرابة خمسة ملايين شاب، لا يزال يعيش في منزل الأسرة.وتتزامن هذه الظاهرة مع تدهور حاد في سوق العمل للشباب، خصوصاً الخريجين. فقد ارتفع معدل البطالة بين 16 و24 عاماً إلى 16.4% في الأشهر الثلاثة حتى يوليو/ تموز، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقد. وفي الوقت نفسه، تراجعت الوظائف المتاحة للخريجين إلى 8383 وظيفة فقط في يوليو/ تموز، بانخفاض يقارب النصف خلال عام، ونحو ستة أمثال أقل من ذروة 2017.وتشكل تكاليف التوظيف المرتفعة وتسارع اعتماد الشركات على الذكاء الاصطناعي جزءاً من الضغوط التي تضيّق فرص دخول الشباب إلى سوق العمل، فيما يجد خريجون تراكمت عليهم ديون تعليمية تصل إلى 50 ألف جنيه إسترليني أنفسهم أمام مئات طلبات التوظيف لوظائف محدودة.لكن تداعيات الأزمة لا تتوقف عند الشباب، بل تمتد إلى الاقتصاد والأسرة. فالأبناء البالغون الذين يواصلون العيش في المنزل يستنزفون جزءاً من دخل آبائهم، ما يقلص الإنفاق على الملابس، والصحة والجمال، وتجهيز المنازل. ووفق بيانات شركة «آر إس إم»، انخفض الدخل المتاح للأسر التي يعيش أبناؤها البالغون معها بعد النفقات الأساسية من 29% إلى 22.8%.وتقدّر دراسات أن كلفة إعالة الابن البالغ تتجاوز 3200 جنيه إسترليني سنوياً، بينما قد تصل الفاتورة الإجمالية لهذه الظاهرة على الاقتصاد البريطاني إلى 17 مليار جنيه سنوياً.وفي ظل استمرار أزمة السكن وضعف سوق وظائف الشباب، يبدو أن «بنك الأب والأم» سيظل يتحمل جانباً متزايداً من كلفة تأخر الاستقلال الاقتصادي لجيل كامل.