خلال جولة "اليوم" بجدة التاريخية، رصدت العدسة كيف تتحول خلال إجازة الصيف إلى واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والسياحية في المملكة، إذ تجمع بين العمارة التراثية، والمتاحف، والبيوت الأثرية، والمساجد التاريخية، والأسواق الشعبية، لتمنح الزوار تجربة متكاملة تستحضر تاريخ المدينة التي ظلت على مدى قرون بوابةً للحجاج والتجار القادمين عبر البحر الأحمر.
وتُعد جدة التاريخية، المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، من أبرز المواقع التراثية في المملكة، إذ تمتد على مساحة تبلغ 2.5 كيلومتر مربع، وتضم أكثر من 650 مبنى تاريخيًا بهندسة معمارية فريدة، إلى جانب خمسة أسواق تاريخية، وأكثر من 36 مسجدًا تاريخيًا، ما يجعلها متحفًا مفتوحًا يعكس تاريخ المدينة وتطورها الحضاري.
وتبدأ تجربة الزائر عادة بالتجول بين الأزقة الضيقة والحارات القديمة التي تتزين بالرواشين الخشبية الشهيرة، حيث يمكن مشاهدة البيوت التاريخية التي أعيد تأهيل عدد كبير منها لتصبح متاحف ومراكز ثقافية ومعارض فنية ومقاهي تراثية، في إطار جهود برنامج جدة التاريخية لإحياء المنطقة وتحويلها إلى وجهة ثقافية وسياحية عالمية.
البيوت التاريخية في جدة
ومن أبرز المحطات التي يقصدها الزوار بيت نصيف، الذي يُعد أحد أشهر البيوت التاريخية في جدة، وارتبط بمحطات وطنية مهمة، كما يبرز بيت باعشن وبيت المتبولي اللذان يعكسان فن العمارة الحجازية التقليدية، إضافة إلى بيت الشريف وعدد من البيوت التي تحولت إلى معارض ومراكز ثقافية تستعرض تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المدينة قديمًا.
كما تضم المنطقة عددًا من المتاحف التي تثري تجربة الزائر، وفي مقدمتها متحف البحر الأحمر الذي افتُتح في منطقة باب البنط التاريخية، ويستعرض تاريخ الملاحة البحرية والتجارة عبر البحر الأحمر، إلى جانب متحف طارق عبدالحكيم الذي يوثق مسيرة أحد أبرز رواد الموسيقى السعودية، فضلاً عن المعارض الفنية والمساحات الثقافية المنتشرة في أرجاء المنطقة.
وتحظى المساجد التاريخية باهتمام خاص من الزوار، إذ يقف مسجد عثمان بن عفان رضي الله عنه شاهدًا على بدايات التاريخ الإسلامي في جدة، بعدما أظهرت الدراسات الأثرية أن عمره يتجاوز 1400 عام.
فيما يُعد مسجد الشافعي أحد أبرز المعالم الإسلامية في المنطقة، وتتميز مئذنته التي شُيدت في القرن السابع الهجري بأنها من أقدم المآذن القائمة في المدينة، كما يبرز مسجد المعمار بوصفه أحد المحطات التاريخية المرتبطة بطريق الحج القديم.
تجربة تفاعلية للعائلات والأطفال
ولا تكتمل زيارة جدة التاريخية دون المرور بأسواقها العريقة التي حافظت على طابعها التجاري عبر مئات السنين، وفي مقدمتها سوق العلوي الذي يُعد أكبر أسواق المنطقة التاريخية، ويضم متاجر متنوعة للحرف التقليدية والملابس والعطور والهدايا.
بينما يحتفظ سوق الندى بمكانته التاريخية المرتبطة بالحركة التجارية البحرية، في حين يمثل شارع قابل أحد أشهر الشوارع التاريخية، وكان أول موقع دخلته الكهرباء في مدينة جدة، إلى جانب أسواق باب مكة التي لا تزال تحتفظ بأجوائها الشعبية ومنتجاتها التراثية.
وتوفر جدة التاريخية أيضًا تجربة تفاعلية للعائلات والأطفال، من خلال الجولات الإرشادية التي تروي تاريخ المباني والأسواق، وورش الحرف اليدوية، ومسارات المشي والتصوير، إضافة إلى الفعاليات الثقافية والفنية التي تعزز ارتباط الزوار بالموروث العمراني والثقافي للمدينة، وتقدم تجربة تجمع بين الترفيه والمعرفة.
ومع الإقبال المتزايد على السياحة الداخلية خلال الإجازة الصيفية، تواصل جدة التاريخية ترسيخ مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات التراثية في المملكة، حيث تمنح الزائر فرصة للانتقال بين صفحات التاريخ في مساحة لا تتجاوز بضعة كيلومترات، لكنها تختزن أكثر من أربعة عشر قرنًا من الحضارة، وتجسد الإرث الثقافي لمدينة ظلت عبر التاريخ بوابة الحرمين الشريفين وملتقى الحضارات والثقافات.