.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
المهندس ناصيف سقلاوي - المدير العام لادارة الريجي
لم يعد الصيادون في صور يعودون من البحر بالغلة التي عرفوها وخبروها قبل سنوات. بعض الأسماك التي كانت مألوفة في شباكهم وأسواق المدينة باتت أقل حضوراً، وأصناف مثل السلطان إبراهيم البلدي والمرمور واللَّقز والبَرّاق أصبحت، بحسب خبرات من تجارب من الصيادين القدامى من رفاق البحر وحراسه، أكثر ندرة من السابق. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل تغيّر الصيد فقط، أم أن البحر نفسه يتغيّر؟تراجع الثروة السمكية في شاطىء صور لا يرتبط بسبب واحد. فالصيد الجائر، وخصوصاً اصطياد الأسماك الصغيرة قبل بلوغها مرحلة التكاثر، يضعف قدرة المخزون السمكي على التجدد. ويضاف إلى ذلك الصيد خلال مواسم التكاثر، واستخدام وسائل الصيد غير القانونية أو غير انتقائية قد تلحق ضرراً بالأسماك والبيئة البحرية معاً.لكن الصورة لا تتوقف عند الصيد. فارتفاع حرارة مياه البحر المتوسط يغيّر تدريجاً ظروف الحياة البحرية. بعض الأنواع قد يتراجع أو ينتقل بحثاً عن مياهٍ أكثر ملاءمة، فيما تظهر أو تزداد أنواع أخرى أكثر ارتباطًا بالمياه الدافئة. وهذا يعني أن ما يجري قد لا يكون مجرد انخفاض في الكميات، بل أن ما يلمسه الصياديون هو تبدلات وتحولاً في تركيبة النظام البيئي البحري نفسه.ويأتي التلوث ليزيد من حجم المشكلة. فمياه الصرف الصحي والنفايات البلاستيكية والزيوت والمواد الكيميائية تؤثر في جودة المياه وفي السلسلة الغذائية البحرية. كما تشكّل بعض الأنواع البحرية الوافدة عامل ضغط إضافياً من خلال المنافسة على الغذاء والموائل.في المقابل، لا يمكن حماية البحر بالقوانين وحدها. فالرقابة على وسائل الصيد وأحجام الشباك والأسماك الصغيرة المعروضة للبيع، والتشدد في مكافحة الصيد المخالف، تبقى عناصر أساسية في أي خطة جدية لحماية المخزون السمكي وحماية هذه الثروة التي تحتل مساحة كبيرة من الإهتمام والمتابعة في حكومات عدة في بلدان البحر الابيض المتوسط.ومع ذلك، لا يجوز تحميل الصياد التقليدي وحده مسؤولية ما يحدث. فهو من أول المتضررين من تراجع الأسماك، وحماية البحر تعني أيضاً حماية مصدر رزقه. لذلك تحتاج المعالجة إلى تعاون فعلي بين الصيادين والمجالس البلدية والجهات الرسمية والباحثين والجمعيات البيئية.المطلوب اليوم ليس منع الصيد، بل تنظيمه بما يسمح للبحر بأن يجدّد نفسه: حماية الأسماك الصغيرة، احترام مواسم التكاثر، مكافحة التلوث والصيد المخالف، حماية الموائل البحرية، وإنشاء مناطق بحرية مدروسة، إلى جانب متابعة علمية دورية لما يحدث في بحر صور.فإذا كانت أسماك عرفها الصيادون لأجيال تتراجع، فيما تظهر أنواع أخرى مرتبطة بارتفاع حرارة المياه، فإن المسألة لم تعد فقط: أين اختفت الأسماك؟ بل أيضاً: أي بحر سيكون أمام صور في السنوات المقبلة؟حماية هذا البحر ليست قضية الصيادين وحدهم، بل قضية رأي عام وحراس البيئة فضلاً عن مدينة كاملة ارتبط تاريخها وهويتها ورزق أهلها به. إن مسؤولية الحفاظ على هذا البحر اليوم هي ما سيحدد إذا كان سيبقى غنياً وحاضراً في حياة الأجيال المقبلة.