شاحنة «ضهر البيدر»: هدنة مؤقّتة بانتظار الحرب؟

لم يكن عدم إحالة الحكومة لقضية شاحنة «ضهر البيدر» إلى المجلس العدلي مجرّد تفصيل إجرائي، بل خطوة جنّبت البلاد مواجهة سياسية وأمنية مفتوحة، من دون أن تُبدِّد الأسئلة حول حقيقة التفاهم الذي أفضى إليها، أو الضمانات التي تحول دون تجدّد الاشتباك.

وبينما رحّبت كتلة «الوفاء للمقاومة» بقرار التأجيل، معتبرة إياه «تريّثاً محموداً بانتظار استكمال المعالجة في الاتجاه الصحيح»، بقيت طبيعة التسوية وحدودها موضع تساؤل.وقد قرأ البعض في موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام انعكاساً لإدراكهما حساسيةَ المرحلة وموازين القوى الداخلية والإقليمية، والمخاطر المترتّبة على نقل الخلاف إلى مستوى المواجهة المباشرة مع حزب الله. وتعتبر هذه القراءة أن إحالة الملف إلى المجلس العدلي كانت ستتجاوز خطوطاً حُمْراً، وتفتح الباب أمام تصعيد يصعب ضبطه، خصوصاً أن التحذيرات التي أرسلها حزب الله كانت جدّية وتؤكد أنه لن يسكت.

لكنّ السؤال الأساسي يبقى: لماذا اختار عون وسلام التراجع في هذه اللحظة؟ هل اقتنعا بأن الإحالة قد تفجّر الداخل وتضع الاستقرار أمام اختبار خطير فحسب، أم أن القرار جاء نتيجة تفاهم أوسع فرضته اعتبارات المرحلة المتصلة بحسابات المشهد الإقليمي، إذ لم تنجح الضغوط الأميركية، رغم الحرب والحصار والعقوبات، في انتزاع تنازلات إيرانية حاسمة، فيما أظهرت التطورات اليمنية قدرة حركة «أنصار الله» على إرباك خصومها وتحقيق مكاسب ميدانية على حساب القوات المدعومة من السعودية. وتستند هذه القراءة إلى أن المواجهة الإقليمية لا تُحسم بالضغط وحده، وتعتقد بأن تداعياتها تنعكس على الحسابات اللبنانية.

في المقابل، لا يعني تأجيل الإحالة إسقاطها نهائياً، فقد أكّدت الحكومة استمرار التحقيقات، فيما تمسّك مؤيّدو الإحالة باعتبار القضية مرتبطة بأمن الدولة وحصرية السلاح. ولذا، انسحب وزراء حزب «القوات اللبنانية» من الجلسة اعتراضاً على عدم حسمها. وبذلك، بقي الخلاف قائماً حول حدود المعالجة القضائية وعلاقتها بالمواجهة السياسية على سلاح حزب الله.

أمّا الاحتمال الأكثر حساسية، فيتصل بحسابات الحرب. فهل ترى السلطة أن المواجهة الإسرائيلية قد تفضي إلى تغيير موقع حزب الله وتوازناته، بما يجعل تأجيل الصدام معه داخلياً خياراً أقل كلفة في الوقت الراهن؟في المحصّلة، نجح التأجيل في احتواء جولة من التصعيد، لكنه لم يحسم أصل النزاع. والاختبار المُقبِل لن يكون في بقاء التفاهم على الورق، بل في قدرته على الصمود إذا عاد الملف إلى جدول الأعمال، وفي ما إذا كانت التهدئة ستفتح باباً لتفاهم أوسع أم ستبقى هدنة مؤقّتة بانتظار تبدّل الظروف.