سيرة من رأى – د.محمد الدبيسي

وأنا أقرأ كتاب: (سيرة من رأى).. للدكتور عثمان بن محمود الصيني، تساءلت لماذا اختار الكاتب الفعل: (رأى) دون غيره، ممَّا درج كُتَّاب السِّير الذاتية على اختياره من أفعالٍ أو أسماء ينظمونها في جملة، تحمل بعدًا مجازيًا، أو حقيقيًا صريحًا، لتكون عنوانًا لسِيرِهم..؟.

هل أراد التخفُّف من مسؤولية الفعل والمشاركة، فاختار دور (الشاهد)، وقد اطمأنَّ إليه دون غيره من الأدوار. وجعل هذا الدورُ المؤلِّفَ ابن الطائف، والصحفي المخضرم، والباحث المتخصِّص في اللغة العربية؛ في موقع الراصد المتأمِّل، والملاحِظ عن قُربٍ مجموع القضايا والمراحل، والأمكنة والأحوال، والمواقف والحكايات، التي تضمَّنها هذا الكتاب.. الذي كان مُنتظرًا ومُتطلَّعًا إليه، من مثقفٍ: (كاتبٍ هنا)؛ مكَّنه الفعل: (رأى) وسياقاته في الكتاب؛ من تخطِّي دائرة التخصُّص، وتجاوز أروقة الوظيفة: -المناصب التي تقلَّدها- والعلاقة بالأصدقاء الذين صاحبهم. وهيأ له ذلك كله الخروج بهذا النص السردي، الذي كان الكاتب في متنه وسياقه، ذلك الذي (رأى) وشهِدَ وشاهدَ.. وليس الذي سمع فقط، أو أقرَّ، أو قَبِل، أو رفضَ..!.. وإلى ذلك، ربما اطمأننت إلى أنَّ صنيع الصيني هذا.. فيه أشياء من سيرة الشاهد والمشهود.. وليس خاصًّا بسيرة الكاتب بخاصِّها وعامِّها.. ومن غير ادِّعاء الفعل، أو المنافسة على الضوء، أو الحرص على التصدُّر، و»ليس هو سيرة كل الناس، وليس كتابًا في تاريخ مكة أو الطائف»، كما ذكر في المقدمة.. أو أنَّ حاله فيه، أقرب ما يكون إلى المصوِّر الحاذق، الذي لا يظهر في الصورة، لكنه يختار زاويتها، ويقتنص لحظتها المناسبة، ليجعلها في مرمى الضوء..

وإلى هذا المعنى، وفيه، مكَّنه الفعل الماضي: (رأى)، أن يكون حاضرًا دون تغييب، وأن يدوِّن الوقائع بوصفه صاحب ذاكرة واعية، مصقولة بتجربته الصحفية، ومغذَّاة بمسيرته الأكاديمية، وفي العمق من التجربة والمسيرة؛ أخلاقيات المثقف الرصين، والأديب الحكيم، الذي خبَرَ كثيرًا من المواقع والأمكنة، والتجارب والتحولات، دون أن يذوب في أي منها.. وظلَّ كما هو: ابن الطائف، وابن المشهد، وابن اللحظة التي ترى وتفهم، وتُراكم، وتتأمَّل..

ومن ثمَّ جاء كتابه هذا.. نصًّا سرديًا يمزج بين الذاكرة الفردية، والتاريخ الجمعي، فلم يلتزم به خطًا زمنيًا واحدًا كما تفعل كتب السِّير التقليدية، وإنما اختار التنقُّل بين محطات من العمر متفرقة متصلة.. ظهرت فيها السَّجيَّة بكل طاقاتها بجلاء.. فهناك موضوعاتٌ تتكرَّر، وأخرى تظهر في غير سياقها؛ لتكشف جانبًا آخر من شخصية المكان الذي يكتب عنه، أو الموضوع الذي هو بصدده.. المرتبط بموضوعات عديدة تضمَّنها الكتاب بصفحاته التي بلغت (332) صفحة، رصد فيها ملامح من الحياة: الفكرية والثقافية والاجتماعية في المملكة، في مدة العقود الخمسة الماضية.

وبدا مستبينًا أنَّ الطائف تحتل موقعًا مركزيًا في ذاكرة الكاتب، وفي مسيرة تلك الحياة، التي رصد مظاهرها وملامحها وتجلياتها.

وكان حديثه عن الطائف -إلى جانب كونه مكان نشأته- حديثًا عن تعرُّفه على أوَّل مظاهر المعرفة، وتكوينه الثقافي، على نحو وصفه للمكتبات، والمدارس، والمعلمين، وحلقات العلم في المساجد، والمناقشات التي كانت تدور بين الطلاب والمعلمين، والأجواء الاجتماعية في تلك المدينة بأبعادها الثقافية، وجميعها مشاهدات وتجارب أسهمت في بناء وعيه المبكِّر: «المكان التصوري والمكان الحسي»، الذي يقول عنه: «..وكل مدينة وقرية وإن كانت حديثة لها تاريخ، وكل مكان وإن كان خاصًا له قصة؛ في ظل الجدلية الثلاثية: المكان والزمان والإنسان، فالمكان يُعدُّ في الأصل شيئًا ثابتًا يستمد كينونته بالمجاورة، والزمان مجموعة من المتواليات اللحظية التي تسير في خط ذي اتجاه واحد من ماض إلى حاضر إلى مستقبل، وكلما أوغل في المُضي تلاشى واتجه إلى العدم، إلا إذا تمَّ اقتناص اللحظات الهاربة والمتفلِّتة من بين الأصابع بالوجدان أو الإبداع أو المعارف، كما يتم استحضار المكان البائد وطلله الداثر بالصورة أو السرد الحكائي أو النقش.»ص11.

وقد اطمأنَّ، ثم أكَّد على أنَّ قيمة الأمكنة تكمن - إلى جانب وجودها المادي- في الذاكرة والقصص التي يمنحها الإنسان لها. فالزمن عابر ومتفلِّت، ولا يبقى منه إلا ما تحفظه الذاكرة، أو يخلِّده الإبداع والسرد والصورة. ومن هنا تبدو الكتابة فعلًا لمقاومة النسيان، واستعادةً لروح الأمكنة، وأحوال أهلها قبل أن يطويها الزمن..

ومن هذا التكوين المبكِّر، انتقل للحديث عن التحولات الاجتماعية والثقافية التي مرَّ بها المجتمع السعودي؛ الفكرية والتعليمية والأدبية، والمواقف والأحداث التي شهدها عن كثب، والأشخاص الذين احتكَّ بهم، وكان لهم أثر في كثيرٍ من تلك الأحداث والمواقف والتحولات. كما في فصل «سيرة المشهد الثقافي»ص 23- 58، وفصل: «حينما أصبحت وهابيًا» ص 59-81.

وإلى ذلك فهو يرى أنَّ الحراك الثقافي الوطني، في كثيرٍ من مراحله وأطواره، نشأ من الحوارات، ومن الاحتكاك بين الناس، ومن الحوار بين المثقفين المتفقين والمختلفين..

ومن هنا تبرز واحدة من أهم أفكار الكتاب: وهي أنَّ التغيُّر الثقافي في بلادنا؛ لم يكن دائمًا نتيجة صراع دائم، وإنمَّا كان أحيانًا نتيجة تسامح، وفهم مشترك، وسير طبيعي للحياة. كما حوى ووعى الفصل القصير جدًا في الكتاب، الذي جاء بعنوان: «التمازج المذهبي والفكري» ص 83. الذي أراه امتدادًا لما بسط الحديث حوله، في فصل»حينما أصبحت وهابيًا».. الذي سبقت الإشارة إليه.

ومن الفصول المهمة في الكتاب «سنوات العلم والعمل» ص 249-281، الذي حفل بمادةٍ علمية وتاريخية واجتماعية ثرية، راوح الكاتب فيها بين سيرة الذات وسيرة الجيل، والبيئة العلمية التي نشأ فيها؛ فجاء سجلًّا لمرحلة مهمة من التحولات التعليمية والفكرية في المملكةـ ومن أظهر ما ميَّزه صدق النبرة، ووفاء الذاكرة، والحرص على تسمية الرجال، وحفظ أقدارهم، ولا سيما الأساتذة والزملاء الذين كان لهم أثر في تكوينه العلمي والإنساني.

ومن محاسنه أيضًا أنَّه كشف عن كُلفة العلم ومشقته؛ فقد بدأ بفاجعة وفاة الأب، وما أعقبها من مسؤولية الأسرة، ثُمَّ رحلات الدراسة، وعقبات الابتعاث والتسجيل، ومفارقات اللوائح الجامعية، وانتهى بمحنة الرسالة ومناقشتها. وقد كان في ذلك أدنى إلى ترجمة المعاناة، منه إلى ترجمة الإنجاز، وهو في ذلك أصدق في الدلالة على تكوين صاحبه.

وكذلك حرصه على سوق بعض التراجم الطريفة والمشاهد الإنسانية؛ فحديثه عن أساتذته بعد أن صار زميلًا لهم؛ أبان الوجه الآخر للشخصية العلمية في تكوين عثمان الصيني، وفي ذلك حفظ لروح الحياة العلمية التي لا تنقلها عادةً المحاضر الرسمية، أو كتب الطبقات.

وقد استجاب في هذا الفصل كثيرًا لحسِّ الاستطراد - كما هو شأنه في بعض الفصول- إلى حدِّ تراجع السيرة الشخصية أحيانًا أمام التفاصيل العلمية والإدارية والتاريخية، وبعض الأخبار والتعليقات التي كان يمكن اختصارها أو جمعها في مواضع أنسب، ولا سيما في موضوعات مثل: عرض مشكلات التسجيل، ومراحل الرسائل. كما أنَّ إدراج نصوص طويلة، مثل حديثه عن مقالة «الحركة الدائرية في التفكير اللغوي»، وحديثه عن «العقيدة»، وإن كان لهما موجبٌ في سياق الدفاع عن موقفه، فقد أثقلا الإيقاع السردي، وقطعا تتابع الحكاية، في هذا الفصل على وجه التحديد.