سيارات أوروبا تستنفد حيل المنافسة مع الصين

تحاول صناعة السيارات الأوروبية استعادة ذكرياتها لإنقاذ نفسها في بيئة تشتد فيها المنافسة وتتعارض استراتيجيات التصميم والإنتاج، لصالح فئة جديدة من المشترين هم في الغالب من الشباب.في معرض باريس للسيارات وقف أنطونيو فيلوسا، الرئيس التنفيذي لشركة ستيلانتيس، بجانب الممثل الفرنسي عمر سي، الاثنين، للكشف عن سيارة سيتروين 2CV الكهربائية الجديدة، تلك السيارة الأيقونية ذات السقف القابل للطي والمصنوعة، منذ عام 1948 إلى عام 1990، والتي كانت تُستخدم لنقل المزارعين الفرنسيين.أما في رينو، فتتألق سيارة R5، التي أُعيد إحياؤها كسيارة هاتشباك كهربائية أُطلقت لأول مرة عام 1972، باللون الأصفر على جميع لوحات الإعلانات. في الوقت نفسه، تُزيّن فولكس فاجن سيارتها الكهربائية الجديدة بولو بلمسات تصميمية مستوحاة مباشرة من العصر الذهبي لسيارة غولف في ثمانينات القرن الماضي.قدمت شركات صناعة السيارات الصينية بطاريات أرخص، وتقنية ليدار، وتحديثات برمجية عبر الإنترنت.وردت أوروبا بالعودة إلى الماضي. هذه ليست مجرد عاطفة، بل هي استراتيجية. ويوضح تقرير رويترز من معرض باريس، سبب اعتماده الآن كاستراتيجية رسمية. فللمرة الأولى منذ قرن من هيمنة صناعة السيارات الأوروبية، يُعدّ الإرث هو الميزة الوحيدة التي لا يستطيع المنافسون الصينيون محاكاتها.خفض التكاليفيبدو أن شركات منها «بي واي دي»، و«جيلي»، و«نيو»، أتقنت خفض التكاليف، وهي تتقدم بخطى حثيثة في مجال التكنولوجيا، لكنها لا تستطيع أن تدّعي امتلاك سيارة عائلية عمرها 75 عاماً.تستطيع «بي واي دي» أن توفر لك مدى قيادة يصل إلى 500 كيلومتر، مقابل 25,000 يورو، لكنها لا تستطيع أن توفر لك سيارة تجمع بين عراقة الماضي وتقنيات المستقبل.وربما تُفسّر هذه الأرقام مدى الحاجة المُلحة، فقد ارتفع الطلب على السيارات الكهربائية في أوروبا، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الوقود، لكن الشركات المصنعة الصينية استحوذت على ما يقرب من 11% من السوق الأوروبية في الربع الثاني من عام 2026، وفقاً لشركة شميدت لأبحاث السيارات.ولا تقتصر مزايا سياراتهم على كونها أرخص سعراً فحسب، بل يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها أكثر تطوراً، شاشات أكبر، وأنظمة شحن أسرع، وأنظمة مساعدة سائق أفضل.تقليص الفجوةتتسابق شركات صناعة السيارات الأوروبية لتقليص هذه الفجوة، وقد خفضت منصة «أمبيري» للسيارات الكهربائية من رينو، التكاليف بنسبة 40%، بينما تسعى شركتا ستيلانتيس وفولكس فاجن إلى تطوير تقنيات كيميائية جديدة لبطاريات الليثيوم فوسفات الحديد (LFP)، لمنافسة أسعار سيارات بي واي دي.لكن سد الفجوة التكنولوجية يستغرق من 3 إلى 4 سنوات، بينما لا يتطلب إثارة المشاعر سوى 3 ثوانٍ. وكما عبّر لورنس فان دن أكر، رئيس قسم التصميم في مجموعة «رينو»، خلال المعرض: «نحن نسعى لتمييز أنفسنا، وكذلك لإثارة استجابة عاطفية محددة».مفتاح العاطفةفي سوق تبدو فيه جميع السيارات الكهربائية كأنها كبسولات انسيابية مملوءة بالشاشات، وكأنها خرجت جميعاً من نفق هوائي واحد، تصبح «العاطفة» هي مفتاح تحقيق هامش الربح.ويصف ماتياس شميت، وهو مستشار متخصص في متابعة سوق السيارات، هذا التوجه بأنه «أي شيء يضيف قيمة»، فإذا لم تستطع التفوق من خلال المواصفات التقنية، فتفوق من خلال القصة.ويبدو أن هذا النهج يحقق نجاحاً، على الأقل بالنسبة لشركة واحدة، إذ تُعد سيارة «رينو 5» الكهربائية الجديدة السيارة الكهربائية متوسطة الحجم الأكثر مبيعاً في أوروبا حتى الآن هذا العام، وهو إنجاز أسهم في رفع إيرادات مجموعة «رينو»، في النصف الأول من العام بنسبة 9%.هذا ليس مجرد نجاح لمنتج كلاسيكي موجه لفئة محدودة، بل هو نجاح في السوق السائدة، فقد صرّح البريطاني كريس ليتشفيلد، البالغ من العمر 51 عاماً، لوكالة «رويترز» بأنه اشترى سيارة كهربائية لأول مرة في مايو الماضي، ولأنه نشأ في حقبة كانت سيارات «رينو 5» منتشرة فيها، فقد اختار النسخة الكهربائية ذات اللون الأصفر، تحديداً لأنها أعادت إليه ذكريات طفولته.هذا النوع من المشترين هو الفئة المستهدفة، فأوروبا تضم 250 مليون سائق مرخص تعلموا القيادة في سيارات مثل «فولكس فاجن بولو»، أو «سيتروين 2CV»، أو «رينو 4»، أو «فيات 500»، أو «ميني». في المقابل، هناك 20 مليون مالك لسيارات كهربائية في الصين تعلموا القيادة عبر تطبيقات رقمية.حنين إلى الماضييعمل الحنين إلى الماضي ك «خندق دفاعي» يحمي العلامة التجارية، كما يقدم هذا النهج حلاً لمعضلة التسعير، فقد كان التوجه السابق في أوروبا يركز على جعل السيارات الكهربائية منتجات فاخرة ومستقبلية وباهظة الثمن، كسيارات متقدمة تقنياً يصل سعرها إلى 50 ألف يورو.أما النهج الصيني فاعتمد على تقديم سيارات ميسورة التكلفة وذات كفاءة مقبولة. ويفتح الحنين إلى الماضي مساراً ثالثاً: سيارات ميسورة التكلفة ولكنها تتمتع بطابع خاص. يبدأ سعر سيارة «رينو 5 E-Tech» من نحو 25 ألف يورو، وهو نطاق سعري يضعها في منافسة مباشرة مع سيارة «بي واي دي دولفين» (BYD Dolphin)، لكنها لا تبدو كسلعة استهلاكية عادية مثل «دولفين»، بل تبدو كقطعة ذات دلالة ثقافية.ومن المتوقع أن يقل سعر طراز «2CV» عن 22 ألف يورو، وهو سعر يستهدف بدقة الفئة العمرية الشابة في المدن، بعد الاستفادة من الدعم الحكومي. وفي هذا السياق، تبرز دروس أعمق تتعلق بظاهرة تراجع التصنيع.لقد خسرت ألمانيا 400 ألف وظيفة مرتبطة بالصادرات إلى الصين. ولم تعد سياراتها تتفوق في المبيعات على السيارات الصينية حتى داخل الصين نفسها. لكن ما زال لدى الهندسة الألمانية والفرنسية ذاكرة صناعية متأصلة في لغة التصميم، انحناءة العمود C في سيارة غولف، وشعار سيتروين المزدوج على شكل حرف V، والمصابيح الأمامية الدائرية الأربعة في سيارة «آر5».تستطيع «بي واي دي» نسخ بطارية، لكنها لا تستطيع نسخ 50 عاماً من الذاكرة الجماعية دون أن تبدو مزيفة. لا تزال المخاطر قائمة، فالحنين إلى الماضي قد يكون فخاً. مشكلة الكلفة التراث لا يحل مشكلة الكلفة الأساسية، فالمصنعون الأوروبيون ما زالوا يدفعون 30-40% أكثر مقابل البطاريات، مقارنة بشركة «بي واي دي»، التي تصنع خلاياها الخاصة. كما أنه لا يحل مشكلة الاعتماد على العناصر الأرضية النادرة الصينية للمحركات. لكن معرض باريس يشير إلى أن أوروبا توقفت عن محاولة التفوق على الصين.تُعدّ وثيقة الدفاع التجاري الفرنسية الألمانية الجديدة الصادرة في 5 أكتوبر/تشرين الأول، والتي تدعو إلى حظر لمدة 24 ساعة على الواردات الصينية المدعومة، بمثابة العصا. أما الحنين إلى الماضي فهو بمثابة الجزرة للمستهلكين.