سوريا الدولة الوطنية في اجتماع نيويورك: من جغرافيا الصراع إلى عقدة الممرات

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

1. نيويورك: لحظة إعادة تعريف وظيفة سورياأعاد اجتماع نيويورك في 22 أيلول/سبتمبر 2026، الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة ومسؤوليين من الخليج والعراق وسوريا وتركيا والأردن ومصر ولبنان، طرح أسئلة تتجاوز الأمن المباشر إلى استقرار المنطقة وأمن الطاقة والاقتصاد واستراتيجيات ما بعد الحروب. ومن هنا تبرز مسألة تتعلق بمستقبل المشرق: كيف يمكن بناء شبكة إقليمية متعددة المسارات، بحيث لا يبقى الاقتصاد والطاقة والتجارة رهائن نقطة اختناق واحدة؟

السؤال بالنسبة إلى سوريا يتجاوز إعادة الإعمار. هل تبقى جغرافيتها مرتبطة بجغرافيا الصراع، أم تتحول إلى عقدة جيوـاقتصادية تصل الخليج والعراق بالمشرق وتركيا وأوروبا، وتتفاعل مع منظومة مصر البحرية واللوجيستية؟

إن التحول المطلوب لا يبدأ من المشاريع المنفردة، بل من إعادة تعريف وظيفة الدولة السورية داخل الإقليم. المعادلة الجديدة ليست إلغاء هرمز أو منافسة قناة السويس، بل بناء تعدد في الممرات والمسارات.

2. من هرمز إلى تعدد الممرات والمسارات في الخليج والمشرق العربي

أظهرت الاضطرابات التي طاولت هرمز وباب المندب أن الاعتماد على نقاط اختناق محددة يرفع الكلفة الجيوسياسية والاقتصادية للتجارة والطاقة. لذلك يصبح تنويع المسارات البرية والبحرية والسككية وخطوط الطاقة وسيلة لتقليص الوزن الجيوسياسي لنقاط الاختناق، والحد من قدرة أي طرف على تحويلها إلى أدوات ضغط استراتيجية.

المسار البديل لا يعني إلغاء هرمز، بل بناء شبكة موازية واحتياطية تضم خطوط الطاقة والسكك والطرق والموانئ ومراكز التخزين والتوزيع والخدمات اللوجيستية. وكلما تعددت الخيارات، تراجعت قدرة أي نقطة منفردة على تعطيل حركة الاقتصاد الإقليمي.

وبالنسبة إلى إيران، فإن تعدد المسارات لا يلغي أهمية هرمز، لكنه يحدّ من قدرة طهران على تحويل التحكم بممر استراتيجي إلى ورقة ضغط على أمن الطاقة والتجارة الإقليمية.

ومن هذه الزاوية، يعود المشرق العربي إلى الواجهة بوصفه مساحة قابلة لإعادة تنظيم حركة الطاقة والبضائع والاستثمارات. ويبرز مشروع الربط السككي الذي يتجه إلى وصل السعودية بتركيا عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى أوروبا، وما يمكن أن يرافقه من تكامل طرقي ولوجيستي، باعتباره أحد النماذج العملية لهذا التحول.

3. العراق: الطاقة تبحث عن المتوسط، وسوريا عقدة الربط

يمتلك العراق ثروة الطاقة والموقع الجغرافي الذي يربط الخليج بالمشرق وتركيا، ولذلك يمكن أن يكون أحد المحاور الأساسية في شبكة الممرات الجديدة. وتبرز الحاجة إلى تنويع منافذ تصدير الطاقة، بما في ذلك المسار العراقي ـ السوري نحو المتوسط، مع إمكان الاستفادة من البنية التاريخية لخط كركوك ـ بانياس، فضلاً عن تطوير شبكات نقل الطاقة والطرق والسكك.

وتكتسب هذه الجغرافيا أهميتها من كونها تربط بين مصادر الطاقة ومنافذ التصدير والأسواق. فالعراق لا يحتاج إلى منفذ إضافي فحسب، بل إلى منظومة نقل متكاملة تسمح بتوسيع خياراته التجارية وتقليل الاعتماد على مسار واحد.

وهنا تتكامل الأدوار: العراق مصدر الطاقة، والخليج مصدر رأس المال والأسواق، والأردن حلقة الربط البري، وسوريا عقدة المشرق والمتوسط، وتركيا بوابة أوروبا، ومصر عقدة بحرية ولوجيستية عبر قناة السويس وموانئها.

4. سوريا: من جغرافيا الصراع إلى العقدة المشرقية للممرات

تقع سوريا عند نقطة التقاء الخليج والعراق والأردن ولبنان وتركيا والبحر المتوسط، ما يمنحها وظيفة تتجاوز كونها مساحة عبور. لكن قيمة الموقع لا تتحقق بمجرد مرور البضائع والطاقة؛ بل عندما يتحول العبور إلى وظيفة اقتصادية وطنية.

فالدولة التي تكتفي بالسماح بمرور الممرات تحصل على جزء محدود من عوائدها، بينما تستطيع الدولة التي تبني حولها الخدمات والصناعة والمناطق الحرة والموانئ الجافة واللوجيستيات أن تحول الممر إلى اقتصاد إنتاجي.

لذلك، ينبغي أن تتحول سوريا إلى عقدة جيوـاقتصادية تتقاطع فيها الطاقة والسكك والطرق والموانئ والتجارة والتمويل والتأمين والصيانة والاستثمار. وهذا يتطلب أن تكون البنية التحتية جزءاً من استراتيجية وطنية، لا مجرد مشاريع منفصلة تمولها أطراف مختلفة.

وفي مشروع الربط السعودي ـ التركي، يصبح الأردن الحلقة البرية، وسوريا عقدة الربط المشرقي، وتركيا بوابة أوروبا؛ بما يجعل سوريا جزءاً من شبكة متكاملة لا مجرد أرض تعبرها القطارات.

فالموقع الجغرافي لا يصنع الدولة وحده؛ الدولة هي التي تحوّل الموقع إلى وظيفة.

5. الممر ليس طريقاً بل مسار جيوسياسي ـ اقتصادي ـ عمراني

الممر الاقتصادي ليس طريقاً مرسوماً على الخريطة. فالسكك والطرق وخطوط الطاقة تحتاج إلى مستودعات ومراكز توزيع ومناطق صناعية وموانئ جافة ومراكز صيانة وخدمات لوجيستية، ثم إلى فنادق ومساكن وتمويل وتأمين وتعليم تقني. وهكذا تتوسع المدن وتظهر مراكز اقتصادية جديدة.

لذلك يمكن لمشروع الربط السعودي ـ التركي عبر الأردن وسوريا أن يكون نواة لمسار جيوسياسي ـ اقتصادي ـ عمراني أوسع، يضم الطرق المكملة، والمعابر الذكية، والتخزين والتوزيع، والصناعة، والصيانة، والتمويل والتأمين، والحواضر التي تتحول إلى عقد خدماتية.

الممر يولّد الخدمات، والخدمات تولّد المدن، والمدن تولّد الوظائف، والوظائف تعيد تشكيل الجغرافيا السكانية والعمرانية.

وهنا يصبح الممر أداة لإعادة توزيع النشاط الاقتصادي خارج مراكز المدن التقليدية، وربط المناطق الداخلية بمراكز الإنتاج والتجارة. فإعادة الإعمار لا ينبغي أن تعني إعادة بناء ما تهدم فقط، بل إعادة بناء الاقتصاد المنتج في المدن والمناطق التي تمر بها الممرات.

وتستعيد الجغرافيا هنا بعضاً من ذاكرتها الاقتصادية؛ فخط التابلاين السعودي الذي كان يعبر الأردن وسوريا نحو صيدا يمثل مثالاً تاريخياً على إمكان تحويل الجغرافيا المشرقية إلى مسار للطاقة والتجارة.

لا تقوم الرؤية الجديدة على محور واحد، بل على شبكة إقليمية متعددة العقد، لكل عقدة فيها وظيفة تكمل الأخرى. فالسعودية والخليج يوفران الطاقة ورأس المال والأسواق، والعراق الطاقة والموقع البري، والأردن الربط، وسوريا عقدة المشرق والمتوسط، وتركيا بوابة أوروبا، ومصر قناة السويس والموانئ والخدمات البحرية واللوجيستية.

وهذه الشبكة لا تلغي الأدوار القائمة، بل تعيد توزيعها من ضمن منظومة أكثر ترابطاً. فالقاهرة ليست بديلاً من دمشق، ودمشق ليست بديلاً من قناة السويس، وتركيا ليست بديلاً من الخليج؛ بل تضيف كل عقدة وظيفة إلى الشبكة.

أما لبنان، فيمكن أن يشكل امتداداً متوسطياً مهماً، شرط أن تحمي الدولة موقعه وتحوّل موانئه وبنيته التحتية ورأسماله البشري إلى وظائف اقتصادية قابلة للاستثمار.

7. الأردن: الحلقة البرية في منظومة الممرات المتعددة

يكتسب الأردن أهمية خاصة باعتباره حلقة برية بين الخليج والعراق وسوريا، لكنه لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه مجرد مساحة تقع بين دول أكبر. فقيمة موقعه ترتبط بقدرته على تشغيل الممرات من خلال المعابر والجمارك والتخزين والنقل والصيانة والطرق والسكك.