الحكاية التي لم تبدأ ببيان سياسي، بل بدأت بملامح قلق بدت على وجوه المصريين في الطوابير، وخوف مشروع على وطن عريق كان ينزلق نحو نفق مظلم من الفوضى والانهيار المؤسسي، حيث عبر الرئيس عبدالفتاح السيسي في كلماته: «إن ثورة الثلاثين من يونيو لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، وإنما كانت لحظة فارقة في تاريخ الدولة المصرية، استعاد فيها الشعب قراره، وحافظ على هويته، وانطلق نحو بناء دولة حديثة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل»، فالتحولات الكبرى في تاريخ الأمم لا تقاس بعدد السنوات التي تفصل بين حدثين، وإنما بحجم الفارق الذي يصنعه الحدث في مسار الدولة وقدرتها على الانتقال من مرحلة إلى أخرى، فما جرى في 30 يونيو كان بمثابة «عبور ثانٍ» نحو مستقبل جديد، عبور لم يرمم جدران الدولة فحسب، بل أعاد بناءها من القاع إلى القمة؛ لتبقى ثورة الثلاثين من يونيو واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث، ليس لأنها أنهت مرحلة سياسية مضطربة فحسب، وإنما لأنها دشنت مسارًا مختلفًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وترميم الاقتصاد، واستعادة الدور الإقليمي، وإطلاق مشروع تنموي واسع النطاق حمل لاحقًا اسم «الجمهورية الجديدة».
وقد شكّل الموقف السعودي عقب ثورة 30 يونيو أحد أبرز عوامل الإسناد العربي للدولة المصرية في مرحلة اتسمت بحساسية سياسية واقتصادية بالغة، بادرت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز –رحمه الله – إلى إعلان دعمها لاستقرار مصر ومؤسساتها، معتبرة أن أمن مصر يمثل ركيزة للأمن القومي العربي، ولم ننسي وقوف الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- حينما جند كافة امكانياته سيراً على خطى أبائه وأجداده الملوك الميامين، فلم يقتصر هذا الدعم على المساندة السياسية والدبلوماسية، بل امتد إلى ولي العهد الأمين ومهندس الرؤية القويمة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -أيده الله- بحزمة من المساعدات المالية والنفطية والاستثمارات التي أسهمت في تعزيز الاحتياطي النقدي، وتخفيف الضغوط على الاقتصاد، وتأمين احتياجات الطاقة والسلع الأساسية خلال مرحلة انتقالية دقيقة، بما أتاح للدولة مساحة للتحرك نحو تنفيذ برنامجها للإصلاح الاقتصادي وإطلاق مشروعاتها التنموية.
وعلى المستوى الإستراتيجي، أسهم التنسيق المصري السعودي في ترسيخ معادلة جديدة للأمن الإقليمي، تقوم على دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ومواجهة الإرهاب، والحفاظ على استقرار المنطقة في ظل المتغيرات التي أعقبت ما عُرف بالربيع العربي. كما انعكس هذا التقارب في توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز التنسيق السياسي في القضايا العربية، بما جعل الشراكة المصرية السعودية إحدى الركائز الرئيسة لاستقرار الإقليم، وأحد النماذج العربية التي جمعت بين المصالح الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية والتضامن العربي.
قبل الثورة، كانت التقارير الدولية تتحدث بنبرة من الشفقة أو التحذير عن «الوضع في الشرق الأوسط»، وكانت مصر شبه معزولة عن محيطها العربي والإفريقي. تجمدت عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي في عام 2013، وبدت الدبلوماسية المصرية في حالة دفاع مستمر ومبرر أمام عواصم العالم. لكن المعادلة انقلبت رأساً على عقب بفضل إستراتيجية «التوازن الذكي»، فلم تكتفِ مصر بالعودة إلى أحضان القارة السمراء، بل تسلمت رئاسة الاتحاد الإفريقي في عام 2019، وتحولت إلى صوت قوي يدافع عن حقوق القارة في قمم المناخ والمنصات الاقتصادية الدولية.
وعندما ننظر إلى المشهد المصري في منتصف عام 2013، نجد دولة تواجه تحديات متراكمة، فالمؤشرات الاقتصادية تعكس ضغوطًا غير مسبوقة؛ إذ تراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي إلى أقل من 15 مليار دولار، وارتفع عجز الموازنة، وتباطأت معدلات الاستثمار، كما انعكست أزمة الطاقة على حياة المواطنين، وفي الوقت ذاته، كانت حالة الاستقطاب السياسي تنعكس على المناخ العام، بينما فرضت التحديات الأمنية ضغوطًا إضافية على مؤسسات الدولة وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية، لذا جاءت مرحلة ما بعد الثلاثين من يونيو باعتبارها إعادة لصياغة أولويات الدولة، وبداية لمسار مختلف، فارتكزت على فكرة استعادة كفاءة الدولة أولًا، ثم الانتقال تدريجيًا إلى بناء قاعدة اقتصادية وتنموية أكثر اتساعًا في مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية.
ولعل أول اختبار حقيقي لهذا المسار كان في قطاع الطاقة، الذي مثّل قبل عام 2013 أحد أبرز مظاهر الأزمة. فقد بلغ العجز في قدرات إنتاج الكهرباء آنذاك ما يقارب ستة آلاف ميجاوات، وأثر مباشرة على النشاط الصناعي والاستثماري، فتبنت الدولة خلال السنوات التالية خطة توسع غير مسبوقة في إنشاء محطات التوليد، كان أبرزها المحطات العملاقة التي أُنشئت بالتعاون مع شركة «سيمنس»، في إضافة أكثر من 31 ألف ميجاوات للشبكة القومية؛ ليتحول العجز إلى فائض كبير يسمح حالياً بالربط الكهربائي والتصدير لدول الجوار مثل الأردن والسودان واليونان، إلى جانب التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وهو ما أضاف أكثر من واحد وثلاثين ألف ميجاوات إلى الشبكة القومية، لتتحول مصر من دولة تعاني عجزًا مزمنًا في الكهرباء إلى دولة تمتلك فائضًا يتيح لها تنفيذ مشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار، ويفتح آفاقًا لتصدير الطاقة مستقبلًا.
بينما تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي قبل الثورة إلى مستويات خطيرة مهددة للوضع الاقتصادي، هابطًا إلى أقل من 15 مليار دولار في أوائل عام 2013، وهو ما كان يكفي بالكاد لتغطية السلع الأساسية لأسابيع قليلة، لكن في المسار الجديد، ورغم الأزمات العالمية المتلاحقة (مثل جائحة كورونا والأزمات الجيوسياسية المحيطة)، فقد استقر الاحتياطي النقدي ليتجاوز حاجز 46 مليار دولار، مما يعكس مرونة وصمود الاقتصاد المصري الحالية.
وبالنسبة لجودة الطرق واللوجستيات، فقد كانت الطرق المصرية قبل الثورة توصف بأنها «طرق الموت» بسبب تهالكها، حيث كانت مصر تقبع في المركز 118 عالمياً في مؤشر جودة الطرق. بفضل المشروع القومي للطرق وتشييد أكثر من 7000 كيلومتر من الطرق الجديدة والجسور المحورية، قفزت مصر لتصل إلى المركز 28 عالمياً، وهي قفزة نوعية اختصرت زمن نقل البضائع وحققت أماناً مرورياً غير مسبوق، وهو تطور لا يقاس بالمركز الرقمي وحده، وإنما بما وفره من خفض زمن النقل وتقليل تكلفة الخدمات اللوجستية، وهي عوامل أصبحت اليوم معيارًا رئيسًا في قرارات المستثمرين.
وثمة من ينظر إليها باعتبارها كتلًا خرسانية ضخمة أو إنفاقًا رأسماليًا مرتفعًا، بينما تشير القراءة الاقتصادية الأعمق إلى أنها استثمارات طويلة الأجل في قدرة الدولة على المنافسة، ولكن القراءة الإستراتيجية المنصفة تؤكد أنها كانت «خطوط الدفاع الأولى» عن الأمن الغذائي واللوجستي لمصر.