كشف اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، الخبير الاستراتيجي، عن مجموعة من السيناريوهات المحتملة للدعم العسكري الدفاعي الذي يمكن أن تقدمه مصر للمملكة العربية السعودية، موضحًا أن أوجه التعاون قد تتدرج من تبادل المعلومات الاستخباراتية والاستعانة بالخبرات العسكرية، إلى توفير الأسلحة والذخائر ومنظومات الدفاع الجوي، وصولًا إلى مشاركة القوات المسلحة، وفقًا لطبيعة الاحتياجات السعودية والقدرات المتاحة لدى الجانب المصري.
وأوضح فرج أن تحديد شكل المساندة العسكرية لا يرتبط بالضرورة بإرسال قوات إلى الخارج، وإنما يخضع لتقدير الموقف الميداني، وتحديد طبيعة التهديدات التي تواجه المواقع الحيوية، واختيار الوسائل الدفاعية الأكثر ملاءمة للتعامل معها، بما يحقق أهداف الدعم دون تحميل القوات المشاركة مهام لا تتناسب مع طبيعة التكليف.
لجنة عسكرية مشتركة لتحديد الاحتياجات الدفاعية
وأشار الخبير الاستراتيجي، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «حضرة المواطن» المذاع عبر قناة «الحدث اليوم»، إلى أن تحديد أوجه الدعم المحتملة يبدأ، حال موافقة مجلس النواب على التفويض، بالتنسيق بين الجانبين المصري والسعودي من خلال لجنة عسكرية مشتركة، تتولى بحث الاحتياجات الدفاعية وتقييم طبيعة التهديدات التي قد تتعرض لها المواقع الاستراتيجية داخل المملكة.
وأضاف أن عمل اللجنة، وفق التصور الذي طرحه، يتضمن تحديد المنشآت والأهداف التي تتطلب حماية خاصة، ودراسة الإمكانات المتوافرة لدى الجانب السعودي، ثم الوقوف على أوجه النقص التي يمكن لمصر المساهمة في سدها، سواء من خلال تقديم الخبرات الفنية أو توفير المعدات والأنظمة الدفاعية اللازمة.
ولفت إلى أن تحديد الاحتياجات بدقة يمثل خطوة أساسية قبل اتخاذ أي قرار بشأن طبيعة المساندة، خاصة أن المواقع المستهدفة تختلف من حيث الأهمية الاستراتيجية، وطبيعة المخاطر التي تواجهها، والوسائل المطلوبة لتأمينها.
الأماكن المقدسة والمنشآت النفطية في مقدمة المواقع الحيوية
واستعرض فرج أبرز المواقع التي يمكن أن يشملها التنسيق الدفاعي، مشيرًا إلى أهمية تأمين الأماكن المقدسة، والمنشآت النفطية، ومصافي التكرير، والموانئ والمطارات، إلى جانب خطوط نقل النفط التي تربط شرق المملكة بغربها.
وأوضح أن حماية هذه المواقع تتطلب خططًا دفاعية تتناسب مع طبيعة كل منشأة، إذ تختلف متطلبات تأمين المطارات والموانئ عن احتياجات المنشآت النفطية وخطوط الإمداد، كما أن حماية الأماكن المقدسة تفرض اعتبارات خاصة بالنظر إلى مكانتها الدينية وأهميتها لدى المسلمين.
وأكد أن التعامل مع هذه المواقع لا يمكن أن يتم من خلال تصور عسكري واحد، بل يتطلب تقييمًا منفصلًا لكل هدف، وتحديد نوع التهديدات المحتملة، ثم اختيار الوسائل المناسبة للتصدي لها، سواء كانت أنظمة دفاع جوي أو وسائل للتشويش أو دعمًا استخباراتيًا وفنيًا.
الدفاع الجوي وتوفير الأسلحة.. أبرز أشكال المساندة المحتملة
وفي شرحه للخيارات العسكرية المطروحة، تناول الخبير الاستراتيجي إمكانية توفير منظومات دفاع جوي أو أسلحة محددة لتلبية احتياجات الجانب السعودي، موضحًا أن أنظمة الدفاع الجوي تتكامل عبر مستويات مختلفة، تشمل المدى المنخفض والمتوسط والعالي، بما يسمح بالتعامل مع التهديدات الجوية وفقًا لطبيعتها وارتفاعها ومدى اقترابها من الأهداف.
وضرب مثالًا افتراضيًا بإمكانية تقديم دعم في المستوى المتوسط إذا كانت المنظومات المتوافرة لدى الدولة المستفيدة تغطي المستويين المنخفض والعالي، بينما تحتاج إلى استكمال قدراتها في المستوى المتوسط، مشيرًا كذلك إلى إمكانية توفير منظومات أو وسائل تشويش للتعامل مع الصواريخ القادمة، بحسب طبيعة التهديد والإمكانات المتاحة.
وأوضح أن الدعم العسكري قد يتخذ صورًا متعددة، ولا يشترط أن يكون في شكل قوات مقاتلة على الأرض، إذ يمكن أن يقتصر على توفير منظومة دفاعية أو أسلحة وذخائر أو معدات متخصصة، بما يسهم في تعزيز القدرات الدفاعية للدولة المستفيدة.
تبادل المعلومات والخبرات العسكرية دون مشاركة مباشرة للقوات
وتطرق فرج إلى أهمية المعلومات العسكرية في دعم القدرات الدفاعية، مؤكدًا أن معرفة تحركات القوات ومواقعها تمثل عنصرًا مؤثرًا في تقييم الموقف واتخاذ القرارات العسكرية المناسبة.
واستشهد في هذا السياق بالمعلومات التي يقدمها حلف شمال الأطلسي «الناتو» لأوكرانيا بشأن مواقع وتحركات القوات الروسية، باعتبارها مثالًا على الدور الذي يمكن أن يؤديه تبادل المعلومات في مساندة دولة خلال مواجهة تهديدات عسكرية.
وأشار إلى إمكانية الاستعانة بالخبراء العسكريين لتقديم الدعم الفني والتدريب والمشورة، مستحضرًا تجربة إرسال خبراء سوفيت إلى مصر عام 1967، موضحًا أن الخبرات المتخصصة يمكن أن تمثل أحد أوجه التعاون العسكري، إلى جانب إمداد الدول بالذخائر والأسلحة التي تحتاج إليها.
وشدد على أن تعدد صور المساندة يتيح اختيار البديل الأنسب وفقًا لطبيعة الموقف، لافتًا إلى أن توفير المعلومات والخبرات والمعدات قد يحقق أهدافًا دفاعية مهمة دون الحاجة إلى الدفع بقوات عسكرية إلى خارج الحدود.
اتساع مساحة السعودية يفرض تحديد الأولويات
وفي معرض حديثه عن متطلبات الدعم المحتمل؛ لفت فرج إلى أن المساحة الجغرافية الواسعة للمملكة العربية السعودية، وتعدد مواقعها الاستراتيجية والمنشآت الحيوية بها، يفرضان ضرورة دراسة الاحتياجات بدقة قبل تحديد حجم المساندة المطلوبة.
وأوضح أن تأمين جميع المواقع في دولة واسعة المساحة يتطلب قدرات بشرية وعسكرية كبيرة، وهو ما يجعل تحديد الأولويات عنصرًا رئيسيًا في أي تصور دفاعي، سواء تعلق الأمر بتوزيع منظومات الدفاع الجوي أو تأمين المنشآت الحيوية أو توفير المعدات والخبرات اللازمة.
وأضاف أن تقدير حجم القوات أو المعدات المطلوبة لا يمكن فصله عن طبيعة المهمة والأهداف المطلوب تأمينها، مؤكدًا أن القرار العسكري يرتبط بمجموعة من الاعتبارات العملياتية والفنية، وليس بمجرد تحديد شكل الدعم بصورة مسبقة.
المادة 152 من الدستور تنظم مشاركة القوات المسلحة خارج الحدود
وعلى صعيد الإجراءات الدستورية، أوضح الخبير الاستراتيجي أن المادة 152 من الدستور المصري تتناول الضوابط المنظمة لإعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهام قتالية خارج حدود الدولة، مشيرًا إلى أن الإجراءات المتعلقة بالموضوع، وفقًا لما ذكره، شملت العرض على المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ثم الانتقال إلى مجلس النواب لاستكمال المسار الدستوري.
وأكد فرج أهمية الالتزام بالأطر الدستورية والمؤسسية المنظمة للقرارات المرتبطة بتحركات القوات المسلحة، باعتبارها من المسائل التي تتصل بالأمن القومي المصري، وتستلزم دراسة دقيقة لجميع أبعادها السياسية والعسكرية والاستراتيجية.
ودعا إلى التعامل مع الملف من خلال المعلومات والتقديرات الصادرة عن المتخصصين، محذرًا من تداول استنتاجات غير دقيقة بشأن طبيعة الدعم المحتمل أو تصويره باعتباره مشاركة عسكرية مباشرة بالضرورة، في حين أن الخيارات المتاحة تتنوع وفقًا للظروف والاحتياجات.