سلمى المري.. سريالية لونية تحاور البصر

كان الفن التشكيلي ولا يزال، محاولة إنسانية واعية لإعادة صياغة الوجود وتفكيك الواقع، ومن ثم إعادة تركيب هذا المشهد الإنساني ضمن مساحات تعبيرية، تتجاوز البعد البصري التقليدي، لتحلق بالمتلقي نحو أبعاد فلسفية ونفسية عميقة، لذا يمكن اعتبار هذه المساحات التعبيرية، فضاءات حيوية مشحونة بالدلالات، ومنصة تلتقي فيها الذاكرة الجمعية بالهواجس الذاتية للفنان.في الفن المعاصر، يتجاوز العديد من الفنانين عتبة التعبير المقتصرة على محاكاة الطبيعة أو نقل الشخوص بنسبها الأكاديمية، لينطلقوا نحو آفاق تعبيرية جديدة، تتفاعل في أعمالهم الفنية، الخامات، والمواد الطبيعية، مترافقة مع تركيبات لونية وتشكيلات إبداعية في كتل الفراغ والامتلاء، والجمالية في هذه الأعمال تنبع من قدرة الفنان على جعل المتلقي شريكاً في الأثر، متفاعلاً معه بعواطفه ووجدانه، ويصبح العمل الفني قادراً على بث مشاعر الإنسان والتعبير عنها عبر لغة بصرية بليغة تعتمد على الإيماءة والرمز والملمس.يتجلى ذلك في التجربة البصرية الغنية للفنانة سلمى المري، وعند تأمل هذا العمل الذي نفذته بمادة الأكريليك على الكانفاس، يندهش البصر بهذا المشهد السردي الكثيف، الذي يلخص علاقة الإنسان ببيئته وتراثه، ومن خلال رؤية حلمية سريالية أرادت الفنانة أن تطرح أفكارها ورؤيتها عن الهوية و الجذور، والحداثة والمستقبل، وهذا ما يدركه من تقع عينه على اللوحة بما تحمله من رموز تعبيرية، أبدعت الفنانة في توظيفها بطريقة تدل على تمكن فني من طراز رفيع .*حدودجعلت الفنانة من المرأة رمزاً محورياً في العمل، فنجدها تتوسط اللوحة بشخصية أنثوية، تبدو وكأنها تنبثق من الأرض، ممتدة وكأنها تخطت حدود الزمن والمكان، في شكل يبدو للوهلة الأولى عصرياً، فالملامح مغطاة بنظارة أو ما يشبه القناع المبهج، لتوفير مساحة للانطلاق والمرح، وهو هنا يضفي نوعاً من الغموض الأسطوري.من أكثر العناصر الرمزية التي تلفت الانتباه هو "الديك " الذي يقع في قلب اللوحة، والذي يحمل دلالات تراثية وبيئية، فهو في الموروث الشعبي رمز للوعي، وبزوغ الفجر والنشاط، وقد جاء احتضان المرأة له برفق ليعكس علاقة التناغم والاندماج بين رمزية المرأة ودورها الكبير في كل مجتمع، فهي بوابة الفكرة الأولى وراعيتها، فهي الأم التي تربي وهي الزوجة التي نشاطرها هموم الحياة، وقد عبرت الفنانة بوعي عال عن ذلك بأن جعلت المرأة تمسك سنابل القمح في يدها، وهناك في اللوحة المرآة المعلقة على الجدار، وكلها مفردات تعزز فكرة قوة المرأة في التشبث بالحياة.*توازناعتمدت الفنانة في بناء التكوين في هذا العمل على هندسة بصرية ذكية مع خلق حوار حركي يكسر جمود اللوحة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال حركة عين المتلقي، فحين تجذبه الشخصية في مركز اللوحة، تنزل تلقائياً وتقع على محور مهم آخر وهو الديك، وهذا ما يجذب العين إلى نقطة الارتكاز في اللوحة من خلالهما، ثم تنتقل العين إلى توزيعات للعناصر الثانوية بطريقة حرفية تضمن حركة سلسة للعين في داخل اللوحة، من أعلى اللوحة التي تظهر فيها "المرآة" بما تحمله من رمزية للجمال والأنوثة والحب.وزعت الفنانة هذه العناصر لتخلق حالة في نفس المتلقي، فهي رموز ترتبط بشكل وثيق في فكرة العمل الفني الذي يحتفي بالمرأة التي خرجت من قلب الأرض، وامتد عطاؤها على مدى الزمن، ولم تغفل في غمرة المشاق اليومية، أن تختلس لها من الزمن لحظات مرح، لتحلق الفنانة بهذه الرموز في تكوين العمل الفني بدقة متناهية وشاعرية.