سلماوي: نستعيد بعد 10 سنوات ذكرى هيكل وعصرًا كانت فيه الكلمة شريكًا في صناعة التاريخ

قال الكاتب الصحفي الكبير محمد سلماوي، إن استعادة ذكرى الكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل، بعد مرور 10 سنوات على رحيله، لا تعني استحضار سيرة شخص فقط، وإنما استعادة عصر كامل كانت فيه الكلمة قادرة على فتح الآفاق، والمشاركة في صناعة التاريخ وتشكيل الوعي.

جاء ذلك خلال افتتاح محمد سلماوي حفل توزيع جوائز مؤسسة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية لعام 2026، حيث استعرض جانبًا من مسيرة هيكل وتأثيره في الصحافة العربية، مؤكدًا أن تجربته تجاوزت حدود العمل الصحفي التقليدي، لتقدم نموذجًا متكاملًا للرؤية والموقف والمسؤولية المهنية.

وأضاف سلماوي أن هيكل كان صحفيًا استثنائيًا، لم يكتفِ بنقل الأحداث، وإنما سعى إلى فهمها ووضعها في سياقها، من خلال قراءة ما سبقها وما ترتب عليها، وهو ما جعل صحافته تتجاوز مجرد نقل الأخبار إلى تقديم رؤية متكاملة للأحداث وتحليل أبعادها.

وأوضح أن صحافة هيكل لم تكن مجرد مهنة، وإنما كانت رؤية وموقفًا ومسؤولية، مشيرًا إلى امتلاكه أدوات معرفية واسعة مكّنته من الربط بين تفاصيل اللحظة الراهنة وسياقها التاريخي، وبين الأحداث السياسية ومصائر الشعوب والأفراد.

وأكد سلماوي أن هيكل لم يكن مجرد صحفي غطى أحداث عصره على مدار نحو سبعة عقود، وإنما كان شاهدًا على القرن ورمزًا للصحافة العربية في العالم، لافتًا إلى أن تجربته أسهمت في تحويل الخبر من مجرد رصد للحدث إلى مادة تحمل قيمة وثائقية وتحليلًا استراتيجيًا بعيد النظر.

وأشار إلى أن هيكل، من خلال رصيده الكبير من المقالات التي نشرها في صحف «الأهرام» و«آخر ساعة» و«أخبار اليوم»، إلى جانب ظهوره الإعلامي وأحاديثه عبر القنوات المختلفة، أسهم في إرشاد الرأي العام وتشكيل الوعي القومي، مستفيدًا من قدرته على قراءة الأحداث وتحليلها ووضعها في إطارها الأوسع.

وتابع سلماوي أن هيكل امتلك شبكة واسعة من العلاقات مع قادة العالم، كما جمع حوله عددًا كبيرًا من مفكري العالم، وكان يُستقبل في عواصم مختلفة ليس باعتباره صحفيًا يسعى إلى جمع المعلومات فقط، وإنما بوصفه محللًا سياسيًا يمتلك رؤية ويُستشار في تعقيدات العالم وقضاياه.

وأكد أن هيكل أسهم كذلك في الارتقاء بمهنة الصحافة وتعزيز مكانة العاملين بها، وصنع للصحفي مكانة اجتماعية وشأنًا غير مسبوق، موضحًا أن تأثيره لم يتوقف عند ما كان يكتبه وينشره، وإنما امتد إلى البيئة الصحفية والثقافية والفكرية المحيطة به.

وأضاف أن هيكل استقطب كبار مفكري مصر، وأتاح لهم منصة للتواصل مع الرأي العام، حتى أصبحت مؤسسة «الأهرام» في عهده واحدة من أهم المؤسسات الصحفية في العالم، ومركزًا للإشعاع الثقافي والفكري.

وأشار سلماوي إلى أن إسهام هيكل امتد حتى بعد رحيله من خلال المؤسسة التي تحمل اسمه، والتي تعمل عامًا بعد عام على اكتشاف المواهب الصحفية الشابة، ودعمها وإتاحة الفرصة أمامها للتطور والاستمرار في العمل الصحفي.

وقال إن من أهم ما يميز مؤسسة محمد حسنين هيكل للصحافة العربية أنها اختارت الاستثمار في الإنسان نفسه وقدرته على التطور، معتبرًا أن هذا النوع من الاستثمار هو الأكثر بقاءً في الصحافة، ويفوق في أهميته مجرد تطوير الأدوات التكنولوجية، لأن الأساس هو وجود صحفي يمتلك الضمير المهني والحس الصحفي والقدرة على فهم ما وراء الأحداث.

ورأى سلماوي أن المؤسسة يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة للحفاظ على روح الصحافة في زمن تواجه فيه المهنة تحديات متزايدة، بفعل التطور التكنولوجي وتدفق المعلومات وتضاربها، مؤكدًا أن دورها لا يقتصر على تخليد اسم محمد حسنين هيكل، وإنما يمتد إلى بناء مدرسة مفتوحة للصحافة ودعم أجيال جديدة من الصحفيين.

وشدد على أن تاريخ هيكل لا يمكن اختزاله في إسهاماته المهنية فقط، موضحًا أنه كان بالنسبة إلى مصر «رجل الموقف»، وانحاز إلى استقلال القرار السياسي، وآمن بأن خدمة الوطن تعني إعلاء شأن العقل في مواجهة العاطفة والانفعال.

وأكد سلماوي أن من أبرز ما يبقى من مواقف هيكل إيمانه العميق بأن مصر لا تستطيع حماية مستقبلها إلا بالحفاظ على تاريخها، ومن هذا المنطلق حرص على وضع القارئ أمام الحقيقة، وكان من أوائل الذين أدركوا أن الصحفي الموجود في قلب الأحداث لا يكتفي بنقلها، وإنما يقرأها ويحللها ويفهم أبعادها.