سلطتان بلا خزينة.. لماذا يتمنى موظف غزة لو كان مكان زميله في رام الله؟ عربي ودولي الأربعاء 19/أغسطس/2026 - 02:08 م 8/19/2026 2:08:15 PM في مفارقة تلخص عبثية الانقسام الفلسطيني، صار موظف غزة ينظر إلى نظيره في الضفة الغربية لا بالعداء ولا بالمنافسة، بل بشيء من الحسد المرير. فموظف رام الله يشكو من راتب منقوص ومواعيد غير منتظمة، لكنه على الأقل يعرف كم سيصله ومتى تقريبًا، ويعرف أن هناك وزارة مالية معترفًا بها تُقر بأن ما تبقى دين في ذمتها. أما موظف غزة فلا راتب ولا موعد ولا جهة تعترف بالدين أصلًا. والمقارنة بين الحالتين لا تكشف فقط فجوة في الأرقام، بل تكشف الفرق بين إدارة عاجزة وإدارة فاشلة.الأرقام: فجوة تكشف حجم الخللفي الضفة، تصرف السلطة نسبة من الرواتب لا تكتمل، فقد صرفت في محطة سابقة رواتب الموظفين بنسبة لا تقل عن 60% وبحد أدنى ألفي شيكل، وفي محطة أخرى بنسبة 70% وبحد أدنى 3500 شيكل، مع إقرار وزارة المالية بأن "بقية المستحقات القائمة حتى تاريخه هي ذمة لصالح الموظفين وسيتم صرفها عندما تسمح الإمكانيات المالية بذلك". وبحسب مدير مكتب الاتصال الحكومي محمد أبو الرب، فإن نحو 70% من الموظفين تتراوح رواتبهم حول 3500 شيكل، إلا أن الحكومة تصرف لهم شهريًا نحو ألفي شيكل فقط وبمواعيد غير منتظمة.أما في غزة فالمعادلة كارثية: ألف شيكل كل نحو مئة يوم، ثم توقف تام. أي أن ما يحصل عليه موظف غزة في ثلاثة أشهر يقل عن نصف ما يحصل عليه زميله في الضفة في شهر واحد. ومع ذلك يبقى الإحباط مشتركًا، إذ يتحدث موظف في الضفة يحمل شهادة في الهندسة الزراعية عن مستحقات متراكمة تُقدَّر بنحو 85 ألف شيكل، أي قرابة 28 ألف دولار، لم يحصل عليها.الفارق الجوهري: خزينة محتجزة مقابل خزينة غامضةهنا يفترق المساران، والفرق ليس في حجم المال بل في طبيعة الفشل. فالسلطة الفلسطينية تعتمد أساسًا على أموال الضرائب التي تجمعها إسرائيل نيابة عنها مقابل عمولة 3% بحكم سيطرتها على المعابر، وأزمتها ناتجة عن احتجاز هذه الأموال أو تأخير تحويلها. أي أن هناك مصدر دخل معروفًا ومسجلًا ومطالَبًا به، وحين تدفق دعم خارجي، منه مساهمات أوروبية مخصصة للرواتب، تمكنت الحكومة الفلسطينية من صرف نسبة من الرواتب لشهرين متتاليين دون الاقتراض من البنوك.أما الإدارة في غزة فلم تبنِ يومًا مصدر دخل شرعيًا ومستدامًا يمكن الدفاع عنه أمام أحد. فلجنة الطوارئ كانت تصرف مكافآت دون أن تفصح عن مصدر أموالها، وحين ضاقت الموارد لجأت حماس إلى تكثيف الجباية من سكان منهكين، وهو ما أثار انتقادات حادة. الفارق إذن واضح: أزمة رام الله أزمة تحويلات محتجزة يمكن حلها سياسيًا، وأزمة غزة أزمة إدارة لم تنشئ أصلًا نظامًا ماليًا قابلًا للحياة، وحين انهارت الظروف لم يكن لديها ما تقدمه سوى الصمت والجباية.حُلّت الحكومة وبقي الدين بلا مدينتفاقمت الأزمة لأن الجهة المسؤولة عن الرواتب صارت في طور التصفية. فبعد حل لجنة الطوارئ في السادس من يوليو، وجّه النقابيون رسالتهم إلى "الهيئة المؤقتة التي تدير قطاع غزة حاليًا"، وهي جهة غير معروفة للعلن. لم يفقد الموظف راتبه فحسب، بل فقد عنوان من يطالبه، وهو ربما أوضح تعبير عن الفشل المؤسسي: حكومة تنسحب دون أن تسلّم دفاترها ولا التزاماتها لأحد.والملف صار في صلب التفاوض. ففي مفاوضات القاهرة، رفضت حماس مقترحًا قدّمه ملادينوف يقضي بقصر الالتزامات المالية على الموظفين الذين سيواصلون العمل مستقبلًا ضمن إطار اللجنة الوطنية لإدارة غزة، دون احتساب مستحقاتهم المتراكمة عن السنوات السابقة. وبقيت قضية رواتب الموظفين، إلى جانب السلاح، على رأس نقاط الخلاف.لكن الرفض وحده لا يكفي. فبين مقترح يشطب سنوات التعب وإدارة سابقة لم توثق حقوق موظفيها في نظام معترف به، يجد الموظف نفسه بلا سند قانوني يحمي مستحقاته. وقد أدركت النقابة الخطر مبكرًا، فأكدت أن أي ترتيبات وطنية يجري الإعداد لها يجب أن تركز بشكل أساسي ومحوري على حل قضايا الموظفين "رزمة واحدة".قلق البقاء في الوظيفةإلى القلق المالي يضاف قلق أشد: هل سأبقى موظفًا أصلًا؟ فحين تنتقل الإدارة إلى اللجنة الوطنية، سيخضع الجهاز الوظيفي لإعادة ترتيب، وقد طُرح في المفاوضات أن يخضع المتقدمون للشرطة الفلسطينية الجديدة، بمن فيهم موظفو حماس المدنيون السابقون، لعملية فحص وتدقيق. وحاولت حماس تطويق هذا القلق، إذ أكد رئيس مكتبها الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة أن جميع العاملين في تقديم الخدمات هم "موظفو دولة" ومستعدون للعمل تحت إشراف اللجنة الوطنية. لكن هذا الطمأنة تصطدم برفض الطرف الآخر لصيغة بقاء الموظفين في أماكن عملهم حسب ما نقلته مصادر عن المطالب الإسرائيلية في القاهرة.النتيجة أن الموظف صار بين ثلاثة احتمالات كلها موجعة: أن يُدمج بلا مستحقات سابقة، أو أن يُستبعد بعد سنوات خدمة، أو أن يبقى معلقًا في فراغ إداري مفتوح. وفي الحالات الثلاث، لا أحد يتحدث باسمه على طاولة التفاوض.نموذج الضفة: طموح متواضع لموظف فقد كل شيءتجربة الضفة تحمل تحذيرًا حقيقيًا، فموظفوها ظلوا سنوات يتلقون نسبًا من رواتبهم، وتراكمت مستحقاتهم بعشرات آلاف الشواكل، ولوّحوا باحتجاجات واعتصامات ومطالب بنقابة موحدة وإعادة من فُصلوا بسبب مشاركتهم في الاحتجاجات، دون أن تُحل القضية جذريًا. أي أن الأزمة قد تتحول إلى حالة دائمة تُدار ولا تُحل.ومع ذلك، فإن هذا "الأسوأ" في الضفة صار سقف طموح موظف غزة اليوم: راتب جزئي شهري، وجهة رسمية واضحة، واعتراف مكتوب بالدين. حين يصبح النموذج الفاشل في مكان حلمًا في مكان آخر، فذلك أدق مقياس لعمق الانهيار.الانقسام الذي قسّم الجغرافيا والسياسة انتهى إلى توحيد شيء واحد: عجز السلطتين عن دفع أجور من يخدمون الناس. لكن الفرق يبقى جوهريًا؛ ففي رام الله أزمة موارد مع بقاء المؤسسة، وفي غزة انهيار المؤسسة نفسها. الحكومة التي شغّلت 45 ألف موظف حُلّت دون تسوية، واللجنة التي يفترض أن تديرهم ما زالت في القاهرة، والمقترحات المطروحة تلوّح بشطب سنوات من التعب. وحتى تُحسم الإجابة عن سؤال "من يدفع؟"، سيبقى موظف غزة يعمل بلا أجر، وينظر شرقًا نحو زميله في الضفة، لا حسدًا على راتبه المنقوص، بل تمنيًا لو كان لديه على الأقل جهة تعترف بأنها مدينة له، وتخبره متى تنوي أن تسدد.