حين يكرّس صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، سبعة وثلاثين عاماً للبحث في تاريخ البرتغاليين في المحيط الهندي، فإننا أمام مشروع تتجاوز أهميته وقيمته مجرد إصدار مؤلفات موسوعية جديدة، إلى توفير معرفة رصينة موثقة بتاريخ منطقة واسعة، كانت سواحلنا جزءاً من أحداثها وتحولاتها، ومن هنا تنبع حاجتنا الماسة للتوقف عند هذا المنجز، وما يعنيه للوعي بتاريخنا وأهمية موقعنا وسط هذا العالم.وعلينا أن نعي كذلك بأن الانشغال بكتابة التاريخ لأمر غاية في الأهمية لنفهم من خلاله كيف تشكّلت حياتنا، وكيف واجه من سبقونا تحدياتهم، وما الذي صنع علاقاتهم بغيرهم، وهذا النوع من الكتابة مسؤولية تتصل بحق الأجيال في أن تعرف ماضيها معرفة دقيقة، فالرواية التي تستقر في الأذهان تسهم في تشكيل صورة الإنسان عن نفسه وناسه وأرضه، وقد يمتد أثر الخطأ فيها طويلاً ما لم تجد من يفحصها ويصحّحها.ولهذا تظل كتابة التاريخ عملاً قابلاً للمراجعة، فبعض ما وصل إلينا كتبه أصحاب مصالح، وبعضه دُوّن من موقع لا يرى المشهد كاملاً، وبعضه تناقلته الكتب حتى اكتسب قوة التكرار، وهنا تظهر أهمية إعادة التاريخ، ومهمة الباحث الذي يعود إلى الأصل، ويقارن الشهادات، ويتحقق من الأسماء والأماكن والتواريخ، ويمنح كل رواية ما تستحقه من النظر.وتأتي الوثيقة في صميم عمل هذه المهمة، إذ تتيح الاقتراب من زمن الحدث، ومعرفة ما سجّله معاصروه، غير أن قيمتها تتكشف بالتحقيق والمقارنة وفهم الظروف التي كُتبت فيها، وهذا ما يمنح جمع الوثائق وترجمتها وإتاحتها أهمية تتجاوز حفظها، إلى تمكين الآخرين من قراءتها ومناقشة ما تتضمنه والبناء عليها.ووفق ما سبق، وما قدم صاحب السموّ حاكم الشارقة من جهد عظيم، تكتسب موسوعة «البرتغاليون في المحيط الهندي.. أحداث في حوليات من عام 1497م إلى عام 1750م» قيمتها، بما تضمّه من واحد وستين مجلداً بالعربية، ومثلها بالإنجليزية، فهي تضع مادة تاريخية واسعة في متناول الباحثين، بعد سنوات طويلة من الجمع والترجمة والتحقيق، وتفتح أمامهم مجالات لدراسة العلاقات السياسية والتجارية والعسكرية وحتى الاجتماعية بين البرتغاليين والقوى المحلية والسكان المحليين.والمتتبع لآخر موسوعتين تاريخيتين لسموّه سيرى كيف أنه قد انتقل من «البرتغاليون في بحر عُمان»، كشأن خاص، إلى «البرتغاليون في المحيط الهندي»، كشأن عام، فيمكن فهم ذلك بوصفه امتداداً لحاجة البحث نفسه، فتاريخ المكان تتضح معانيه حين نعرف ما اتصل به من أحداث محيطة به، وما جرى في بحر عُمان ارتبط بحركة الملاحة والتجارة، وبقرارات وتحالفات وصراعات تجاوزته لتمتد عبر المحيط، ومن ثم فإن توسيع دائرة البحث يعيدنا إلى تاريخنا بفهم أعمق لأسبابه ونتائجه.ولربما تكون إحدى أهم دلالات المشروع أن العناية بتاريخنا تقود إلى دراسة تاريخ الآخرين وعلاقاتهم بنا، وأن فهم دورنا يقتضي معرفة المشهد الذي تحرك فيه أسلافنا، وبهذا تصبح الموسوعة مجالاً لقراءة تاريخ مشترك، تتعدد فيه الأطراف والمصالح، وتتضح عبره قدرة المجتمعات المحلية على الفعل والتأثير.ودون أدنى شك سيكون للموسوعة أثر يتجاوز الباحث المتخصص، فالمعرفة التي تتيحها يمكن أن تصل إلى الطالب، وقارئ الصحيفة، ومشاهد الفيلم الوثائقي، وزائر المتحف، وكلما استند تقديم التاريخ إلى مصادر محققة، أصبح الوعي العام أكثر دقة، وتراجعت مساحة الأحكام المتعجلة والروايات التي تفتقر إلى السند.هكذا يخدم التاريخ الإنسانية، وهكذا تخدم الشارقة البحث التاريخي، وتؤكد قيمة أساسية، في البحث العلمي عموماً، تتمثل في كون المعرفة تحتاج إلى رعاية مستمرة، ومصادر متاحة، وعمل تراكمي، ومن هذا الالتزام يعيد سلطان كتابة التاريخ، ويمنح الأجيال فرصة أوسع لقراءته وفهمه ومواصلة البحث فيه.