تطورت المملكة العربية السعودية اليوم تطورا كبيرا في كافة المجالات حتى أصبحت وشعبها من نخبة دول العالم، فحجم التحول الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي والتقني الذي شهدته البلاد جعل من الإنسان السعودي أحد أهم عناصر التحول الوطني، وأصبح الاستثمار في المواطن لا يقتصر على تعليمه أو توظيفه، بل يمتد إلى تمكينه من صناعة المعرفة ونقلها وتطويرها، ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في قطاع التدريب، ليس من زاوية التوطين بوصفه مجرد نسبة أو رقم، وإنما باعتباره صناعة وطنية للمعرفة والخبرة والمهارة، فالمعهد التدريبي لا يمنح المتدرب شهادة أو دورة فقط، بل يسهم في تشكيل طريقة تفكيره، وفهمه لسوق العمل، وقدرته على التعامل مع مجتمعه ومؤسساته وتحدياته، ولذلك فإن وجود المدرب السعودي المؤهل داخل معاهد التدريب يمثل قيمة تتجاوز الوظيفة نفسها إلى بناء سلسلة متصلة من نقل الخبرة من سعودي إلى سعودي، ومن تجربة وطنية إلى جيل جديد من أبناء الوطن، وهذه الفكرة لا تعني التقليل من خبرات المدربين من مختلف الجنسيات، فالكفاءات العالمية كانت وما زالت شريكًا مهمًا في مسيرة التنمية، وإنما تعني أن التطور الكبير الذي وصلت إليه المملكة يستدعي الاستفادة بصورة أكبر من الكفاءات الوطنية التي أصبحت تمتلك مؤهلات وخبرات وتجارب مهنية متقدمة، وتعرف طبيعة المجتمع السعودي واحتياجاته وتحدياته بصورة مباشرة، وهذه في رأيي ليست دعوة إلى إغلاق أبواب التدريب أمام الخبرات العالمية، بل دعوة إلى جعل الخبرة السعودية في موقعها الطبيعي داخل منظومة التدريب الوطني الأكثر تأهيلا ووعيا وإحساسا بالوطن، وتكشف الأرقام حجم القطاع التدريبي وأهمية التأثير الذي يمكن أن يحدثه المدرب في هذه المنظومة، فقد أعلنت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني أن عدد المتدربين والمتدربات في مختلف منشآتها التدريبية بلغ 336150 متدربًا ومتدربة خلال عام 2024م، فيما بلغ عدد الخريجين 98716 خريجًا وخريجة، ونفذت البرامج من خلال 314 منشأة تدريبية موزعة على مناطق المملكة، وهذا الحجم الكبير يعني أن الحديث عن المدرب ومعهد التدريب ليس حديثًا عن قطاع محدود التأثير، بل عن منظومة تمس مئات الآلاف من المواطنين سنويًا، وتشارك بصورة مباشرة في إعداد القوى البشرية التي يحتاجها الاقتصاد السعودي، «المصدر، المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، المملكة العربية السعودية، 2025م»، ومن هنا فإن رفعنسبة مشاركة الكفاءات الوطنية المؤهلة في التدريب يمكن أن يتحول إلى أداة إستراتيجية لنقل المعرفة داخل المجتمع السعودي، خصوصًا إذا اقترنت عملية التوطين بمعايير صارمة للاعتماد والتخصص والخبرة وقياس جودة الأداء، بما يمكن الخبرات السعودية من التدريب نظراً لمؤهلاتهم العالية وتطورهم وتطور بلدهم السعودية، والأهم من ذلك أن المملكة لا تعاني من غياب الكفاءات السعودية القادرة على ممارسة التدريب، فقد أوضحت المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني أن عدد المدربين والمدربات السعوديين الحاصلين على بطاقة «مدرب معتمد» بلغ 4557 مدربًا ومدربة خلال عام 2024م، وأكدت المؤسسة أن البطاقة تتيح لحاملها تنفيذ الدورات والبرامج التدريبية في منشآت التدريب الأهلية، وأن من شروط الحصول عليها أن يكون المتقدم سعوديًا وحاصلًا على درجة البكالوريوس أو الدبلوم المدعوم بالخبرة، مع الالتزام بالتدريب في المجالات المرخص له فيها ومن خلال منشأة تدريبية مرخصة، «المصدر، المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، المملكة العربية السعودية، 2025م»، وهذه الأرقام تقدم شاهدًا عمليًا على وجود قاعدة وطنية من المدربين المؤهلين يمكن تطويرها وتوسيعها، ولذلك فإن السؤال الحقيقي في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يكون، هل لدينا مدربون سعوديون؟ وإنما، كيف نرفع عددهم، ونوسع تخصصاتهم، ونمنحهم فرصًا أكبر، ونضمن أن أفضل الكفاءات السعودية تتجه إلى التدريب؟، ومن وجهة نظري، فإن المدرب السعودي يمتلك ميزة لا يمكن تجاهلها، وهي المعرفة المباشرة بالمجتمع الذي يدرب أبناءه، فهناك فرق بين أن تقدم مهارة عامة، وبين أن تقدم المهارة نفسها وأنت تدرك طبيعة سوق العمل السعودي، وثقافة المنشآت السعودية، وطبيعة المتدرب السعودي، وتحديات المدن والمناطق المختلفة، والفرص التي تتيحها رؤية المملكة 2030، فالمعرفة المهنية وحدها مهمة، لكن المعرفة المهنية المرتبطة بالسياق المحلي أكثر قدرة على تحويل المعلومة إلى ممارسة، وهذا لا يعني أن المدرب الأجنبي لا يستطيع فهم المجتمع السعودي أو النجاح فيه، بل يعني أن وجود المدرب السعودي المؤهل يمنح التدريب بعدًا محليًا أصيلًا ينبغي ألا يكون هامشيًا في منظومة بهذا الحجم.وتؤكد بيانات سوق العمل أن التحولات التي شهدتها المملكة في السنوات الأخيرة لم تكن تحولًا محدودًا، فقد بلغ معدل البطالة بين السعوديين 7.2 في المائة في الربع الرابع من عام 205م، مقتربًا من مستهدف رؤية المملكة 2030 البالغ 7 في المائة، كما بلغ معدل مشاركة السعوديين في القوى العاملة 49.5 في المائة خلال الربع نفسه، «المصدر، الهيئة العامة للإحصاء، المملكة العربية السعودية، إحصاءات سوق العمل للربع الرابع من عام 2025م»، وهذا التحسن في مؤشرات سوق العمل يعني أن الاقتصاد السعودي أصبح أكثر قدرة على استيعاب المواطنين، لكنه في الوقت نفسه يفرض مسؤولية أكبر على منظومة التدريب، لأن انخفاض البطالة وزيادة المشاركة الاقتصادية لا يتحققان بالتوظيف وحده، وإنما يحتاجان إلى تدريب مستمر يرفع قدرة المواطن على المنافسة والتطور والانتقال بين المهن والقطاعات، وتظهر قيمة التدريب بصورة أوضح عندما نعرف أن مشاركة الإنسان في التعليم والتدريب لا تنتهي عند مرحلة الدراسة النظامية، فقد بينت نتائج إحصاءات المهارات والتعلم في المملكة أن نسبة السكان من عمر 15 إلى 64 سنة الملتحقين بالتعليم والتدريب الرسمي وغير الرسمي بلغت 29.23 في المائة، كما بلغت نسبة الشباب من 15 إلى 24 سنة الملتحقين بالتعليم والتدريب الرسمي وغير الرسمي 60.45 في المائة، وأظهرت النتائج كذلك أن المشاركة في التدريب ترتفع كلما ارتفع مستوى التحصيل العلمي، إذ بلغت مشاركة السكان من 25 سنة فأكثر من الحاصلين على التعليم العالي في التدريب 77.06 في المائة، «المصدر، الهيئة العامة للإحصاء، المملكة العربية السعودية، إحصاءات المهارات والتعلم، 2024م»، وهذا يعكس أن التدريب أصبح جزءًا من رحلة التطور المهني، وليس مرحلة مؤقتة تسبق الحصول على الوظيفة فقط، ومن هنا تصبح سعودة معاهد التدريب، إذا نُفذت بطريقة احترافية، جزءًا من مشروع أكبر عنوانه «توطين المعرفة»، وتوطينها ليس للمجاملة أو سد فراغ إنما استثمار واستفادة من مؤهلات عالية متفوقة وطنية ومخلصة، فالوظيفة عندما يشغلها سعودي مؤهل تحقق دخلًا للمواطن، لكن المدرب السعودي يستطيع أن ينتج أثرًا مضاعفًا، لأنه لا يستفيد هو وحده من خبرته، وإنما ينقلها إلى عشرات أو مئات المتدربين، وهؤلاء ينقلونها بدورهم إلى منشآتهم ومؤسساتهم ومجتمعاتهم، ولذلك فإن العائد من المدرب المؤهل يمكن أن يكون أكبر من العائد المباشر من الوظيفة نفسها، لأن المعرفة تتكاثر عندما تنتقل، وهنا يجب التفريق بين سعودة التدريب وسعودة الاسم فقط، فليس الهدف أن يوضع مدرب سعودي أمام المتدربين لمجرد تحقيق نسبة توطين، ثم تكون الماد