دخل الاقتصاد السوداني مرحلة جديدة من عملية إعادة تنظيم النقد المتداول، مع إعلان بنك السودان المركزي سحب جميع الطبعات القديمة من فئة 500 جنيه، والصادرة خلال عام 2023 والأعوام السابقة، من التداول، اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026 وحتى نهاية ديسمبر المقبل.
ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد السوداني، الذي لا يزال يعمل تحت تأثير تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وما خلفته من تراجع حاد في الإنتاج، وتضرر البنية التحتية، واضطراب سلاسل الإمداد، وضعف القطاع المصرفي، وارتفاع مستويات الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
وبحسب إعلان بنك السودان المركزي، فإن المرحلة الحالية من استبدال العملة تستهدف بصورة أساسية ولايات كردفان ودارفور، باعتبار أنهما لم تدخلا ضمن المرحلتين السابقتين من عملية الاستبدال. وسيتم استبدال الأوراق المشمولة بالقرار بالقيمة الاسمية من خلال إيداعها في الحسابات المصرفية لدى فروع المصارف التجارية العاملة في الولايتين.
من الناحية الاقتصادية، لا يمثل استبدال ورقة نقدية مجرد عملية فنية لتغيير شكل العملة، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من سياسة أوسع لإعادة تنظيم السيولة النقدية، وتحسين قدرة البنك المركزي على متابعة النقد المتداول، وتعزيز التعامل عبر الجهاز المصرفي.
وتكشف آلية الاستبدال التي حددها بنك السودان عن هذه النقطة بوضوح؛ فالبنك لم يحدد مجرد استبدال الأوراق القديمة بأوراق جديدة نقدًا، وإنما اشترط إيداع قيمتها في الحسابات المصرفية لدى المصارف التجارية في المناطق المعنية. وكان البنك قد استخدم الآلية نفسها في مراحل سابقة، مع إتاحة فتح حسابات للمواطنين الذين لا يملكون حسابات مصرفية، وتشجيع استخدام وسائل الدفع الإلكترونية.
وبالتالي، فإن إحدى النتائج المحتملة للعملية تتمثل في انتقال جزء من النقد الموجود خارج الجهاز المصرفي إلى الحسابات المصرفية، وهو ما يمكن أن يدعم درجة أكبر من الشمول المالي إذا توافرت للمواطنين إمكانية الوصول الفعلي إلى المصارف والخدمات المالية.
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأن عملية الاستبدال لا تجري في اقتصاد مستقر أو في بيئة مصرفية طبيعية، وإنما في بلد تأثرت فيه قدرة المؤسسات المالية على العمل بالحرب والاضطرابات الأمنية.
وبحسب بنك السودان، فإن كردفان ودارفور لم تشملهما المرحلتان الأولى والثانية من عملية الاستبدال، التي بدأت في ديسمبر 2024، ولذلك جاءت المرحلة الحالية لاستكمال العملية في هذه المناطق.
ويشير البنك الدولي إلى أن الحرب ألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية والنشاط الاقتصادي، وأثرت في قطاعات الخدمات والزراعة والتجارة، كما أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد والنشاط الإنتاجي.
ومن هنا، فإن تنفيذ عملية استبدال نقدي في كردفان ودارفور لا يرتبط فقط بالجانب المصرفي، وإنما يتطلب قدرة لوجستية ومصرفية على الوصول إلى المواطنين والأسواق المحلية في مناطق تأثرت بدرجات مختلفة من الحرب والنزوح وتعطل الخدمات.
من أهم الآثار الاقتصادية المتوقعة لأي عملية واسعة لسحب إصدار نقدي أن جزءًا من السيولة النقدية الموجودة خارج الجهاز المصرفي يمكن أن ينتقل إلى الحسابات البنكية.
لكن من المهم التمييز بين سحب طبعات نقدية قديمة وبين سحب الكتلة النقدية من الاقتصاد.
فالقرار، في حد ذاته، لا يعني إلغاء القيمة الاسمية للأموال خلال فترة الاستبدال، وإنما يسمح لحاملي الأوراق المشمولة بالقرار بإيداع قيمتها في حساباتهم حتى 31 ديسمبر 2026. وبالتالي، فإن الأثر النقدي النهائي يتوقف على كيفية إعادة ضخ السيولة في الاقتصاد من خلال الحسابات المصرفية والإنفاق والتحويلات والائتمان.
وتصبح هذه النقطة أكثر أهمية في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التعامل النقدي المباشر، حيث قد يؤدي انتقال الأموال إلى النظام المصرفي إلى زيادة استخدام الحسابات والتحويلات المصرفية، لكنه قد يخلق في الوقت نفسه تحديات أمام الأشخاص الذين لا يملكون حسابات أو يعيشون في مناطق محدودة الخدمات المصرفية.
لا يمكن اعتبار سحب الطبعات القديمة من فئة 500 جنيه، بمفرده، علاجًا للتضخم.
فالضغوط التضخمية في السودان ترتبط بعوامل أوسع، من بينها تراجع الإنتاج، واضطراب التجارة وسلاسل الإمداد، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع تكاليف النقل والغذاء والسكن، إلى جانب تداعيات الحرب على النشاط الاقتصادي.
ويشير البنك الدولي إلى أن التضخم السنوي في السودان بلغ 170% خلال 2024، قبل أن يتراجع إلى 78.4% في يوليو 2025، مع استمرار ارتفاع الأسعار رغم تباطؤ المعدلات الشهرية في ذلك الوقت.
وعليه، فإن تأثير عملية الاستبدال على التضخم يعتمد على مجموعة عوامل أخرى، أهمها حجم السيولة التي ستظل متداولة، وسياسة البنك المركزي النقدية، واتجاه سعر الصرف، وتطور الإنتاج المحلي، وتدفقات السلع الأساسية، والأوضاع الأمنية.
بمعنى آخر، تغيير الأوراق النقدية لا يخفض الأسعار تلقائيًا، لكنه يمكن أن يكون جزءًا من عملية أوسع لإعادة ضبط وإدارة النظام النقدي.
لفهم القرار بصورة دقيقة، لا يمكن فصل عملية استبدال العملة عن الوضع الاقتصادي الذي خلفته الحرب.
فوفق أحدث بيانات البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسودان بنحو 29.4% في 2023 ثم بنحو 14% في 2024، نتيجة تدمير القدرات الإنتاجية وتعطل قطاعات أساسية مثل الخدمات والتجارة والزراعة. ويقدر البنك الدولي أن الاقتصاد سجل نموًا بنسبة 3.1% في 2025، لكن هذا التحسن جاء بعد الانكماش الحاد في العامين السابقين ومن قاعدة منخفضة للغاية.
كما يوضح بنك التنمية الأفريقي أن الاقتصاد السوداني لا يزال يواجه تضخمًا مرتفعًا، وانخفاضًا حادًا في قيمة العملة، واختلالات مالية وخارجية، إلى جانب هشاشة القطاع المالي وضعف المدخرات المحلية وضيق القاعدة الضريبية.
لذلك، فإن عملية استبدال العملة تجري داخل اقتصاد يحتاج في الوقت نفسه إلى استعادة الإنتاج، وتحسين الإيرادات العامة، وإعادة بناء المؤسسات، وإصلاح القطاع المصرفي، واستعادة الثقة في العملة الوطنية.
إسناد عملية الاستبدال إلى المصارف التجارية يحمل بُعدًا اقتصاديًا مهمًا.
فإيداع الأوراق النقدية القديمة في الحسابات يسمح بإدخال الأموال التي كانت متداولة خارج النظام المصرفي إلى القنوات الرسمية، كما يمنح المصارف دورًا أكبر في إدارة المدفوعات والتحويلات.
وكان بنك السودان قد ربط مراحل سابقة من الاستبدال بتعزيز الشمول المالي واستخدام وسائل الدفع المختلفة، مع توجيه المصارف إلى تسهيل فتح الحسابات أمام المواطنين الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية.
لكن نجاح هذا الجانب يتوقف عمليًا على قدرة الفروع المصرفية على استيعاب الطلب، وتوافر السيولة والخدمات الإلكترونية، وقدرة المواطنين على الوصول إلى المصارف، خصوصًا في المناطق المتأثرة بالحرب.
قد تكون عملية الاستبدال أكثر تعقيدًا في المناطق التي يعتمد النشاط الاقتصادي فيها على النقد المباشر.
فالمزارع أو التاجر أو العامل الذي يحتفظ بجزء من أمواله خارج الجهاز المصرفي يحتاج إلى الوصول إلى فرع مصرفي لإيداع الأوراق القديمة، وهو ما يجعل المسافة والأمن وتوافر الخدمات المصرفية عوامل مؤثرة في نجاح العملية.