.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
بعد ربع قرن على هجمات 11 أيلول/سبتمبر، لا تزال إحدى المعضلات التي رافقت "الحرب على الإرهاب" من دون حل حاسم. ماذا تفعل الدول بآلاف الجهاديين بعد اعتقالهم، وكيف تمنع السجون التي يفترض أن تعزلهم عن التنظيمات من أن تجمعهم وتمنحهم فرصة التجنيد وبناء شبكات جديدة؟
هذه المخاوف ليست نظرية. تجربة معسكر بوكا الأميركي في العراق خلال السنوات التي أعقبت الغزو تحولت إلى أحد أشهر الأمثلة على الدور الذي يمكن أن تلعبه بيئة الاحتجاز في التشبيك والتطرف بين السجناء، بعدما مر به أبو بكر البغدادي وعدد من الشخصيات التي برزت لاحقاً في الجماعات الجهادية. ومع أن بعض الروايات عن اللقاءات التي جرت داخله موضع خلاف، فإن دوره كبيئة للتواصل بين متطرفين ومقاتلين سابقين بقي حاضراً في الدراسات التي تناولت صعود تنظيم "داعش".
وبعد أكثر من عقدين، يعود التحذير نفسه بصيغة جديدة. التقييم السنوي للاستخبارات الأميركية لعام 2026 يرجح أن يحاول "داعش" في سوريا إعادة بناء صفوفه وتوسيع شبكات الدعم وجمع الأموال عبر استعادة التواصل مع مئات المعتقلين وآلاف النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم الذين فروا أو أطلق سراحهم من السجون ومخيمات النزوح التي كانت تديرها "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد).
السؤال يتجاوز إذاً أمن أبواب السجون. فهل تتحول مراكز احتجاز الجهاديين إلى مصانع لإعادة تدوير التطرف عندما تغيب المحاكمات والتأهيل والفرز بين السجناء، أم يمكن استخدامها لكسر العلاقة بين المعتقل والتنظيم وإعادته إلى المجتمع؟
تحتل سوريا قلب المخاوف الحالية بسبب حجم منظومة الاحتجاز التي نشأت بعد سقوط آخر معاقل "داعش" في 2019، ثم تعرضت لهزة كبيرة مع التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها شمال شرق البلاد.
ويرى الخبير في الجماعات والحركات الراديكالية حسن أبو هنية أن التغيير الذي بدأ مطلع العام أنهى تدريجياً نموذج إدارة "قسد" المستقلة للسجون والمخيمات، مع انتقال المناطق والمؤسسات الأمنية إلى سلطة الدولة وإعادة تشكيل القوات السابقة ضمن المؤسسات السورية.
وتوج هذا المسار في 25 آب/أغسطس بإعلان حل "قسد" ضمن عملية اندماجها في مؤسسات الدولة، لتنتقل معها مسؤولية ملف تركته سنوات الحرب من إدارة محلية مدعومة أميركياً إلى حكومة دمشق.
ويقول أبو هنية لـ"النهار" إن "الخطر الأكبر ظهر خلال مرحلة الانتقال نفسها. فمراكز الاعتقال والمخيمات كانت تعاني أصلاً نقصاً في البنية الصحية والتعليمية وبرامج التأهيل، ومع تراجع القبضة الأمنية أصبح احتمال الفرار وإعادة الاتصال بشبكات التنظيم أكثر جدية".
هذه المخاوف دفعت الولايات المتحدة إلى نقل 5704 مقاتلين بالغين من "داعش" من سوريا إلى العراق بين 21 كانون الثاني/يناير و12 شباط/فبراير، في عملية قالت القيادة المركزية الأميركية إنها استهدفت منع فرار واسع للمعتقلين وعودة التنظيم.
أما مخيمات مثل الهول وروج، فالمشكلة فيها مختلفة. غالبية قاطنيها من النساء والأطفال، ولا يمكن التعامل معهم جميعاً باعتبارهم أعضاء في التنظيم. لكن سنوات الاحتجاز الطويلة ونقص التعليم والخدمات ووجود عناصر متشددة داخل المخيمات خلقت بيئة تسمح باستمرار الأدلجة والتجنيد.
وتحذر تقارير دولية من أن "داعش" أعطى أولوية مستمرة لتحرير عناصره المحتجزين وتجديد صفوفه بهم، كما سجلت عمليات أمنية سابقة داخل المخيمات العثور على أسلحة ووسائل اتصال ووقائع مرتبطة بالتلقين والتدريب.
بالنسبة إلى أبو هنية، المشكلة اليوم أن حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع ورثت ملفاً يحتاج إلى موارد مالية وأمنية وقضائية وخبرات متخصصة، بينما يجري بناء مؤسسات الدولة وإعادة تنظيم أجهزتها في الوقت نفسه.
مشتبه بانتمائه إلى تنظيم داعش نُقل من سوريا يخضع للاستجواب في سجن ببغداد. (أ ب)
يرى الباحث في شؤون الإسلام السياسي حسام الحداد أن تنظيم "داعش" تعامل تاريخياً مع السجون باعتبارها "خزانات بشرية يمكن استعادتها عند تبدل الظروف الأمنية"، وهو ما ظهر بوضوح في حملته المعروفة باسم "كسر الجدران" قبل تمدده الكبير في العراق وسوريا.
ويقول الحداد لـ"النهار" إن "التنظيم يركز أيضاً على الأدلجة داخل البيئات المغلقة وعلى الأطفال والمراهقين المرتبطين بعائلات عناصره"، بهدف الحفاظ على ما يسميه أنصاره "جيل الخلافة".
ويتقاطع هذا التقدير مع تقييم الاستخبارات الأميركية لعام 2026 الذي يذهب أبعد من الخوف من تحرير مقاتلين متمرسين. فالتقييم يحذر من أن "داعش" يعمل على تلقين آلاف من أبناء مقاتليه السابقين الذين خرجوا من مخيمات شمال شرق سوريا، وإعدادهم ليكونوا جيلاً جديداً من عناصر التنظيم.
لكن وصف كل سجن بأنه "جامعة جهادية" يخفي فارقاً أساسياً بين أنظمة احتجاز مختلفة. فالسجن يصبح بيئة للتجنيد عندما يوضع المتشدد وصاحب الخبرة التنظيمية مع معتقلين أقل تطرفاً، وتطول مدة الاحتجاز من دون مسار قضائي واضح، وتغيب برامج التقييم النفسي والديني والاجتماعي، ثم يخرج السجين إلى البيئة نفسها التي دخل منها.
لهذا تقوم المقاربات الحديثة لمواجهة التطرف داخل السجون على تصنيف السجناء وفق درجة الخطورة، ووضع برامج فردية، وإشراك مختصين نفسيين واجتماعيين ودينيين، ثم متابعة السجين بعد خروجه. والتأهيل هنا لا يعني افتراض أن جميع الجهاديين قابلون للدمج، بل التمييز بين من يشكل خطراً أمنياً دائماً ومن يمكن خفض مستوى خطورته ومن دخل التنظيم بدرجات مختلفة من الإكراه أو الاقتناع.
تكشف التجارب خارج سوريا أن الاحتجاز الأمني ليس الخيار الوحيد المطروح.
في العراق، الذي تسلم هذا العام آلاف معتقلي "داعش" من سوريا، تعمل وزارة العدل مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة منذ 2019 على تطوير إدارة السجون، بما يشمل تصنيف السجناء الخطرين والمرتبطين بالإرهاب وتقييم احتياجاتهم وبرامج التأهيل والتدريب المهني وإعادة الدمج. وفي تموز/يوليو 2026، أعلن الجانبان مواصلة تطوير إطار وطني لتقييم مخاطر كل سجين واحتياجاته بهدف توجيه التدخلات التأهيلية بصورة فردية.
التجربة نفسها تتقدم في دول البلقان التي أعادت مواطنين من مناطق سيطرة "داعش". ففي البوسنة والهرسك بدأ مجلس أوروبا مطلع 2026 مرحلة جديدة من برنامج يستهدف إدارة المتطرفين العنيفين وإعادة تأهيلهم ومتابعتهم بعد الإفراج، بينما تعمل دول أخرى في غرب البلقان على برامج مشابهة تشمل السجون وأجهزة المراقبة الاجتماعية والعائلات والمجتمعات المحلية.
هذه البرامج لا تقدم ضمانة بأن المتطرف لن يعود إلى العنف، كما أن نقلها بحذافيرها إلى سوريا أو العراق غير واقعي بسبب اختلاف حجم المشكلة والبيئة الأمنية. لكنها تكشف الفارق بين سجن هدفه إبقاء الخطر خلف الأسوار وسجن يحاول تقليل الخطر عندما تفتح تلك الأسوار.
وهنا يرى الحداد أن المعضلة الدولية الأبرز تبقى "غياب حل موحد لآلاف الأجانب وعائلاتهم"، مع استمرار تردد عدد من الدول في استعادتهم ومحاكمتهم أو إدخالهم في برامج تأهيل، ما يترك العبء على الدول التي يوجدون فيها.