ستاندرد آند بورز: الاقتصاد السعودي قادر على الصمود أمام التوترات الجيوسياسية

أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز» أن النظرة المستقبلية المستقرة للاقتصاد السعودي تعكس قدرة المملكة على الصمود أمام الضغوط الناجمة عن التوترات الجيوسياسية، مستندة إلى مرونة البنية التحتية لتصدير النفط، واستمرار زخم النمو غير النفطي، وارتفاع الإيرادات غير النفطية، إلى جانب قدرة الحكومة على تعديل وتيرة الإنفاق الاستثماري المرتبط بـ«رؤية السعودية 2030». وأوضحت الوكالة في تقريرها الأخير أن المملكة تمتلك قدرة على إعادة توجيه صادراتها النفطية عبر البحر الأحمر، والاستفادة من طاقاتها الكبيرة في تخزين وتكرير النفط، إلى جانب إمكانية زيادة معدلات الإنتاج بعد انتهاء الصراع، وهي عوامل تدعم مرونة الاقتصاد والمسار المالي. وأضافت أن البنية التحتية المتنوعة لتصدير النفط، بما في ذلك ميناء ينبع على البحر الأحمر وخط أنابيب النفط «شرق - غرب»، فضلاً عن ارتفاع أسعار النفط حالياً، تمنح المملكة قدرة أكبر على التعامل مع تداعيات الصراع في الشرق الأوسط. نمو متوقع بـ8.2 % في 2027 وبحسب الوكالة، يفترض سيناريو الأساس أن الاضطرابات الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط ستستمر، بدرجات متفاوتة، حتى عام 2027، متوقعة أن يشهد الاقتصاد السعودي انتعاشاً قوياً خلال ذلك العام بنمو يصل إلى 8.2 في المئة، مدعوماً بزيادة إنتاج النفط. كما توقعت أن يسجل الاقتصاد متوسط نمو يبلغ 3.3 في المئة خلال عامي 2028 و2029. وأشارت «ستاندرد آند بورز» إلى أن الحكومة السعودية وصندوق الاستثمارات العامة أعادا ضبط وتيرة تنفيذ عدد من المشاريع في إطار «رؤية 2030»، بما يساعد على احتواء العجز المالي والحد من وتيرة تراكم الدين الحكومي. وبناء على ذلك، ثبتت الوكالة التصنيف الائتماني السيادي للمملكة عند «A+/A-1» على المديين الطويل والقصير، مع الإبقاء على نظرة مستقبلية مستقرة. احتمال رفع التصنيف ورجحت الوكالة إمكانية النظر في رفع التصنيف الائتماني خلال العامين المقبلين، في حال تراجع حدة الصراع في الشرق الأوسط، واستمرار الإصلاحات والنشاط الاقتصادي غير النفطي القوي بما يؤدي إلى تنويع اقتصادي مستدام وارتفاع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب تحسن المؤشرات المالية والخارجية. وأشارت إلى أن شحنات النفط الصادرة من الدول المنتجة في الخليج، والتي تمر عبر مضيق هرمز، شهدت انخفاضاً حاداً منذ مارس 2026، فيما يجري بحث عدد من المبادرات، من بينها مرور السفن عبر المياه الإقليمية العمانية، إضافة إلى اتفاقية مشتركة للعبور بين سلطنة عمان وإيران. برنت عند 95 دولاراً في بقية 2026 وفي ما يتعلق بأسعار النفط، أوضحت الوكالة أنها أجرت عدة مراجعات لتوقعاتها منذ بداية الصراع، وعدلت في أوائل سبتمبر توقعاتها لسعر خام برنت إلى 95 دولاراً للبرميل خلال الفترة المتبقية من عام 2026. وأبقت على توقعاتها للأعوام التالية عند 80 دولاراً للبرميل في 2027، و65 دولاراً للبرميل خلال عامي 2028 و2029. وأكدت أن سيناريو الأساس يفترض استمرار الاضطرابات المرتبطة بالصراع حتى 2027، مع بقاء صادرات النفط من المنطقة دون مستويات ما قبل الحرب. وفي المقابل، يفترض السيناريو المتشائم استمرار الصراع لفترة أطول، مع بقاء مضيق هرمز مغلقاً فعلياً، بالتزامن مع هجمات أكثر حدة على منشآت إنتاج النفط في دول مجلس التعاون وإيران، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بصورة حادة والبقاء عند مستويات مرتفعة لفترة أطول. تأثير محدود على قطاع النفط السعودي ولفتت الوكالة إلى أن الهجمات الإيرانية على المملكة كانت متقطعة وأقل كثافة مقارنة بالهجمات التي استهدفت دولاً أخرى في مجلس التعاون، مشيرة إلى أن المملكة امتنعت عن القيام بأعمال انتقامية كبيرة واكتفت إلى حد كبير بإجراءات دفاعية. وأوضحت أن تأثير الهجمات على قطاع النفط السعودي ظل محدوداً ومحتوى، رغم تأثر الإنتاج في بعض المنشآت، من بينها رأس تنورة وجازان، في حين استمرت الغالبية العظمى من عمليات الإنتاج دون توقف. أولوية للمرونة المالية وأكدت الوكالة أن الحكومة السعودية تعمل على إعادة ترتيب أولويات خططها الاقتصادية والمالية بما يضمن الاحتفاظ بالمرونة اللازمة للتكيف مع التطورات الجيوسياسية. وأشارت إلى أن التركيز الحالي ينصب على الواقعية والمرونة واحتواء العجز المالي رغم الضغوط الراهنة. وقبل اندلاع الصراع، كانت الحكومة تدرس بالفعل تعديل الإنفاق على مشاريع التنويع الاقتصادي المرتبطة بـ«رؤية 2030» لمواءمة الخطط بصورة أفضل مع الموارد المتاحة، فيما تتوقع الوكالة استمرار تبني نهج يتسم بالحذر والتحوط، مع التمسك بتحقيق مستهدفات الرؤية دون تعريض المالية العامة لمخاطر إضافية. استمرار زخم القطاع غير النفطي وبيّنت «ستاندرد آند بورز» أن الإصلاحات المؤسسية والاقتصادية في المملكة مستمرة، وأن التوسع في القطاع غير النفطي سيواصل دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. وأضافت أن جهود تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط تتواصل بدعم من صندوق الاستثمارات العامة، الذي ينتقل حالياً من مرحلة التوظيف السريع لرأس المال والإنفاق المكثف إلى نهج يركز بدرجة أكبر على خلق قيمة مستدامة وبناء منظومة اقتصادية متكاملة. كما أشارت إلى استمرار جهود الحكومة والجهات المعنية للحد من التقلبات الاقتصادية وزيادة مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي، موضحة أن هذا القطاع لا يزال يتمتع بمرونة مقبولة رغم الصراع، مدعوماً بإنفاق المستهلكين. صندوق الاستثمارات يتحول إلى مرحلة جديدة وأشارت الوكالة إلى أن صندوق الاستثمارات العامة كشف عن استراتيجيته الاستثمارية للفترة 2026 - 2030، التي ينتقل بموجبها من مرحلة «بناء الوطن» التي اتسمت بالإنفاق الرأسمالي السريع، إلى نهج أكثر تركيزاً على توسيع الشركات الوطنية الرائدة وتنمية الثروات القائمة. وبحسب التقرير، تتضمن الاستراتيجية ثلاث محافظ رئيسة، هي «محفظة الرؤية» التي تركز على ستة قطاعات حيوية تشمل السياحة والتصنيع والطاقة النظيفة، و«المحفظة الاستراتيجية» التي تستهدف توسيع نطاق الاستثمارات الوطنية، و«المحفظة المالية» التي تسعى إلى تعظيم العوائد وتنويعها. ورغم هذا التحول، تتوقع الوكالة أن يواصل الصندوق الاستثمار في المشاريع الكبرى في مجالات البنية التحتية والإسكان والتكنولوجيا، بما يعكس استمرار التركيز على التنويع الاقتصادي. 70% من الناتج للقطاع غير النفطي وأوضحت الوكالة أن الصراع قد يكون له تأثير مثبط نسبياً، إلا أن معدلات التوظيف المرتفعة ونمو الائتمان وزيادة الدخل المتاح للإنفاق يتوقع أن تدعم استمرار استهلاك الأسر. وأشارت إلى أن القطاع غير النفطي، بما في ذلك الأنشطة الحكومية، يمثل حالياً نحو 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ65 في المئة عام 2018، وهو تحول هيكلي يتماشى مع أحد الأهداف الرئيسة لـ«رؤية السعودية 2030». وأكدت أن الإصلاحات المستمرة ورفع معدلات الإنتاجية سيكونان عاملين رئيسين في دعم النمو غير النفطي بعد انتهاء المراحل الأولية من تنفيذ المشاريع الكبرى وتراجع أثر المحفزات قصيرة الأجل للاستهلاك المحلي. إصلاحات لجذب الاستثمار وخفض البطالة وأشارت «ستاندرد آند بورز» إلى أن المملكة نفذت أخيراً إصلاحات في نظام المحاكم التجارية، وأقرت قانوناً جديداً للاستثمار الأجنبي بهدف جذب المستثمرين وتعزيز تكافؤ الفرص بين الشركات. كما توقعت أن يسهم التوسع التدريجي في فرص العمل للمرأة وتعزيز توظيف السعوديين في القطاع الخاص في خفض معدلات البطالة وصولاً إلى المستهدف الحكومي المعدل لعام 2030 والبالغ 5 في المئة. وأكدت أن هذه الأهداف المرتبطة بخلق فرص العمل تتماشى مع احتياجات التركيبة السكانية الشابة في المملكة، وتدعم استدامة النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.