سبعةٌ وخمسون عاماً وما زالت الذكرى حميدة خالدة – عبدالمجيد بن محمد العُمري

في يوم الاثنين غرة شهر ربيع الأول عام 1391هـ ودع والدي الشيخ محمد بن سليمان بن محمد العُمري -رحمه الله- (1324-1391هـ) الدار الفانية والحياة الدنيا، ولا تزال ذكراه الحميدة باقية ويدعى له رغم مضي 57 عاماً على وفاته ولا يذكر اسمه إلا ويعقب ذلك حسن الثناء وخالص الدعاء لما كان يتحلى به من جميل الشيم وأحاسن الأخلاق والقيم مع أهله وأصحابه وجيرانه ومجتمعه وكل من تعامل معه، هذا الذكر الحسن كان ولا يزال مصدر فخر واعتزاز، وفي الوقت نفسه يلقي على أبنائه أمانة في الحفاظ على هذه السيرة الحسنة وأحسب أنهم على أثره ونهجه سائرون رزقهم الله التوفيق والسداد ورحم والديهم.

وهذه نبذة من تاريخ الوالد الجليل الأشم صاحب الجود والكرم الشيخ محمد بن سليمان بن محمد العُمري -رحمه الله- (1324-1391هـ):

* ولد الشيخ محمد بن سليمان بن محمد العُمري -رحمه الله- في مدينة بريدة عام 1324.

* الوالد ابن للملك عبدالعزيز -رحمه الله- من الرضاعة، فقد تزوج الملك عبدالعزيز من إحدى الأسر بمدينة بريدة وأنجبت زوجته ابناً (فهد الأول) وأرضعت الزوجة الوالد.

* تعلم الوالد القراءة والكتابة في سن صغيرة وقد توافرت له بيئة تربوية مناسبة فوالده سليمان العُمري -رحمه الله- يعتبران من طلبة العلم ومن حفظة كتاب الله وممن يقصدهم الناس في كتابة المبايعات والوصايا.

* والدته منيرة بنت الشيخ محمد بن عمر العمري -رحمهما الله- القاضي المشهور في بريدة وفي رياض الخبراء وكانت أمه -رحمها الله- تجيد هي الأخرى قراءة القرآن الكريم.

* جده لأبيه محمد بن سليمان العمري -رحمه الله- كان من طلبة العلم المشهورين بل والمقدم من المشايخ عند آل المهنا أبا الخيل (أمراء بريدة) وكان إمام المصلين في موقعة المليدا.

* هذه البيئة التربوية والعلمية مهدت للوالد التعلم المبكر وسرعة الالتحاق بحلقات العلم لدى مشايخ بريدة آنذاك.

* بعد دخوله حلقة القرآن لدى الشيخ عبدالعزيز العبادي رحمه الله، حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، كما تيسر له بعد ذلك الدراسة والطلب المتقدم عند الشيخ عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالله بن سليم وعلى شقيقه الشيخ عمر بن سليم رحمهما الله.

* بعد فترة من الطلب والتلقي من العلماء استفاد -رحمه الله- من الخبرة التجارية لوالده في مزاولة التجارة في سن مبكرة بدأها بمساعدة والده في محله التجاري في منطقة (الوسعة) ببريدة، وبعد أن تجاوز الخامسة عشرة من عمره بدأ في نقل البضائع وجلبها لوالده ولغيره من التجار.

* كانت رحلاته الأولى لمكة المكرمة والمدينة المنورة وبعد ذلك توجه للجبيل والكويت والعراق.

* كان بعض أهل الإبل ومن بعدهم أهل السيارات يتجنبون مراكز الحدود والجمرك في أسفارهم ولكن الوالد كان حريصاً على اتباع الأنظمة وعدم المخالفة ويدل على ذلك الوثائق الجمركية المتوافرة.

* في عام 1347هـ وتحديداً في موقعة السبلة قام بتأجير ما لديه من الإبل على جيش الملك عبدالعزيز.

* كما نقل عدة مرات طلبيات خاصة للحكومة من مكة المكرمة إلى الرياض والعكس قبل توفر وسائل النقل الحديثة.

* مما عهد عنه -رحمه الله- أنه كان ينتقي أفضل الركايب وأجودها حتى صارت ركائبه مضرب المثل في الجودة والسرعة وطيب السلالة، وقد تحدى بعض الجمالين مع الشيخ حمود الخطاف - رحمه الله - في السباق على الذلول فقبل الخطاف التحدي واشترط أن يسابقهم على ذلول (العُمري) فكسب الرهان، كما روى أحد كبار السن قصة عنه أنه كان في المدينة المنورة فسمع أحد الرعاة يقول: سأذهب لآكل مع ناقة (العُمري) فقد كان -رحمه الله- يكرم حتى ناقته بإعطائها الطعام الطيب.

* للشيخ محمد بن سليمان العُمري قصة جديرة بالذكر عندما كان جمالاً ففي أحد مواسم الحج في مكة المكرمة رغبت الدولة في نقل أشخاص من مكة المكرمة إلى الرياض مخفورين وهم من ذوي الشأن الذين بدر منهم أخطاء استوجب أن يوقفوا عندها، وسأل ولاة الأمر عن من لديه ركايب لنقلهم فعرض اسمه على الملك سعود وكان ولياً للعهد فقال: العُمري أخٌ لنا وليس جمالاً وتم بالفعل تكليفه -رحمه الله- لنقلهم بالجمال وتم تسليمهم في الرياض وكان مما قاله الملك سعود -رحمه الله- في حينها أن العُمري ليس جمالاً إنه أخ لنا، وكان الملك عبدالعزيز قد تزوج من هيا المهنا – رحمهما الله – جميعاً ورزق منها بولد توفي في مهده وقد أرضعت هيا المهنا والدي محمد بن سليمان العُمري وكان ولداً لها وللملك عبدالعزيز من الرضاعة.

كانت معاملة الشيخ محمد العمري للرجل المخفور غاية في النبل والاحترام وكان يقدم له أفضل الطعام في الطريق ويحسن إليه بالكلام الطيب، وبعد أن تم العفو عن المخفور التحق بالخدمة الحكومية حتى أصبح وزيراً للمالية، وقد طلب أن يرد الجميل للشيخ محمد العمري بأن يعمل لديه في المالية أو أن يعرض ما لديه من التجارة على مشتريات الدولة فأبى العمري ذلك، لا أريد ثمناً على ما قدمت.

* عام 1350هـ استقر بصفة دائمة بمدينة الرياض ليبدأ صفحة جديدة من العمل التجاري أولها متبضعاً ومصرفاً لتجارة والده، ثم استقلاله مع شقيقه عبدالله.

* كانت تجارتهما الأولى في بيع المشالح والملابس التي يستوردانها من الأحساء والبحرين والعراق مستفيداً من تنقلاته السابقة وعلاقاته مع التجار وخاصة من أبناء نجد المقيمين هناك.

* عندما قدم والدي -رحمه الله- للرياض الهجرية اشترى دارين داراً ليسكنها وداراً للضيوف القادمين من القصيم.

* كانت (دار الضيافة) التي أقامها الوالد لكل من يأتي من الجماعة للعمل أو للتجارة المؤقتة في الرياض ولم تكن هذه الدار خاصة بقرابته ولم يكن هناك آنذاك فنادق أو شقق مفروشة وكانت دور الضيافة مقصورة على الخاصة الملكية فكانت دارته الخاصة للضيافة مقصدا للقريب والبعيد وللغني والفقير.

* حينما قدم كثير من أصحابه وأهله للرياض أصبحت لديهم «الشبة» وهي جلسة ليلية يومية يجتمع فيها التجار والموظفون وأبناؤهم في كل ليلة.

* كون خلال فترة عمله التجاري علاقات مع رجال الدولة والوجهاء فالمشالح التي تخصص في بيعها وإن كان لبسها عادة مألوفة لدى الجميع إلا أنه تميز ببضاعة جيدة جعلت الوجهاء من الحاضرة والبادية يطلبون منه ما يحتاجون إليه.

* استمر في مزاولة العمل التجاري بمدينة الرياض لما يزيد عن خمسة وعشرين عاماً، ليبدأ بعدها مرحلة أخرى من حياته بالعمل الحكومي.

* بناء على طلب من الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله- والذي عرف عنه الأمانة والعلم ورأى فيه الدراية بالأمور التجارية والشرعية مناسبة العمل في (هيئة النظر) وهي دائرة حكومية تشرف على فض المنازعات على الأملاك والحدود بينها وتقدير الأثمان كما عمل فترة في أمانة الرياض.

* في عهد الملك سعود -رحمه الله- واستكمالاً لبرنامج توطين البادية تم تكليفه بالإشراف على توزيع الأراضي على أهل البادية وكانت الأراضي المخصصة لهم في (حي منفوحة) وكان مرجعه المباشر الملك سلمان -حفظه الله- في بداية توليه إمارة الرياض، وحينما علم الملك سعود بما أنجزه بدقة وبكل أمانة منحه أرضاً زراعية في منطقة المستوي بين القصيم والزلفي.