في مسعى للحد من نزوح الشباب من المناطق الإقليمية وسط سوق عمل يتسم بشح الأيدي العاملة، انخرطت المحافظات اليابانية في سباق لرفع الحد الأدنى للأجور، حيث يمكن لزيادة قدرها ين واحد فقط أن تحدث فرقاً.تمكنت محافظة أكيتا، الواقعة في شمال شرق اليابان، من الخروج من ذيل قائمة الأجور بالساعة في البلاد بعد أن ظلت لسنوات تتنافس على المركز الأخير. غير أن هذه الخطوة أثارت استياءً في أوساط قادة الأعمال، مما دفع المجلس الاستشاري للمحافظة إلى تأجيل تطبيق الزيادة في الأجور لمدة ستة أشهر.كانت أكيتا تسجل أدنى حد أدنى للأجور في البلاد (951 ينا في الساعة خلال السنة المالية 2024)، ثم قامت برفعه بمقدار 80 ينا ليصل إلى 1031 ينا.تكاليف العمالةجاءت هذه الزيادة مفاجئة لتوموكازو تيرادا، رئيس شركة «ماروداي» التي تدير خمسة متاجر كبرى في مدينة أكيتا (عاصمة المحافظة)، حيث أشار إلى أن الشركة كانت تعاني بالفعل من الارتفاع الحاد في تكاليف العمالة.وقال تيرادا: «أعتقد أن الموظفين سعداء، لكن الإدارة لا تجني أي فوائد من الخروج من المركز الأخير. فالأمر يعطي انطباعاً بأن (الحكومة) تمضي قدماً دون مراعاة للاقتصاد الحقيقي أو أداء الشركات».يبلغ المتوسط الوطني المرجح للحد الأدنى للأجور بالساعة في اليابان 1121 ينا، وتتراوح المعدلات الإقليمية بين 1023 ينا في محافظات مثل أوكيناوا (جنوب اليابان) و1226 ينا في طوكيو (التي تسجل المعدل الأعلى). وقد اشتدت حدة المنافسة لرفع الأجور - مدفوعة جزئياً بالمقارنات مع المحافظات المجاورة - حتى تجاوزت الأجور بالساعة حاجز الـ 1000 ين في جميع المحافظات السبع والأربعين.وباعتباره أدنى أجر بالساعة يحدده القانون الياباني، ينطبق الحد الأدنى للأجور على جميع العمال تقريباً، بما في ذلك الموظفون بدوام كامل، والعاملون بدوام جزئي، والعمال المؤقتون، والموظفون الأجانب.شريان حياة وبالنسبة للعمال، يُعد هذا الأجر شريان حياة يتيح لهم كسب عيشهم، في حين تنظر إليه الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتباره تكلفة عمالة تفرضها الحكومة.وفي شركة «ماروداي»، يمثل العمال غير الدائمين أكثر من 80 بالمائة من إجمالي الموظفين البالغ عددهم نحو 400 موظف، ويتقاضى الكثير منهم أجوراً بالساعة تقترب من الحد الأدنى للأجور. قال تيرادا: «يعني هذا زيادة بملايين الين في تكاليف العمالة الشهرية، في حين أن وضعنا المالي حرج بالفعل».مرة واحدة كل عام، توصي لجنة استشارية وطنية تابعة لوزارة العمل بزيادات استرشادية، وتستخدمها المجالس المحلية في المحافظات لتحديد الحد الأدنى للأجور على المستوى المحلي.في 28 يوليو/تموز، أوصت اللجنة برفع المتوسط الوطني بنسبة 4.9% ليصل إلى 1176 ينا خلال السنة المالية الحالية؛ وهي زيادة قدرها 55 ينًا وتُعد ثاني أكبر زيادة مسجلة على الإطلاق. ومن المتوقع أن تحدد مجالس المحافظات الحد الأدنى للأجور لديها خلال هذا الشهر بشكل أساسي.طلب قوي وقال تومواكي أوسوكي، الأستاذ بجامعة أكيتا ورئيس المجلس الاستشاري للمحافظة، إن كبار مسؤولي المحافظة تواصلوا معه في وقت مبكر من المداولات خلال السنة المالية الماضية. وأضاف: «كان هناك طلب قوي بأن نمضي قدماً في مداولاتنا بهدف انتشال المحافظة من المركز الأخير».وقالت أيايكي سوغا، رئيسة اتحاد نقابات العمال الياباني في أكيتا والتي شاركت بصفتها ممثلة عن العمال في المجلس: «كانت أكيتا تعاني من صورة ذهنية سلبية باعتبارها 'المحافظة ذات الأجور الأقل في البلاد'. لم يذكر أي من طرفي العمل (العمال وأصحاب العمل) صراحةً مسألة 'الخروج من ذيل القائمة'، لكن الأمر كان بالتأكيد حاضراً في أذهان الجميع».نجحت أكيتا في الخروج من المركز الأخير بفضل زيادة قدرها 80 ينا - وهي ثالث أعلى زيادة في البلاد - إلا أن هذه الزيادة شكلت أيضاً ضغطاً على الشركات.وقد أثرت الزيادة بشكل مباشر على شركة «ماروداي». ورغم أن الشركة توظف موظفي متاجر بأجر 1050 ينا أو أكثر - أي بزيادة 19 ينا عن الحد الأدنى - إلا أن العثور على موظفين لا يزال أمراً صعباً.رفع سن التقاعد وقال تيرادا: «نقص العمالة حاد؛ فبعض المتاجر تعجز عن العمل إذا غادرها موظف واحد فقط من ذوي الخبرة، ولذا قمنا برفع سن التقاعد للموظفين بدوام جزئي من 65 إلى 75 عاماً. نود تعزيز التوظيف من خلال تقديم أجور ساعة أعلى، لكن بالنظر إلى وضعنا المالي، فإن ذلك ليس سهلاً. وبالكاد تمكنا من توظيف أي خريجين جدد خلال السنوات الثلاث الماضية أو نحو ذلك».يتعين على المتاجر الكبرى (السوبر ماركت) إبقاء الثلاجات وغيرها من المعدات قيد التشغيل خارج ساعات العمل للحفاظ على سلامة الأغذية، وقد ارتفعت تكاليف الكهرباء السنوية لشركة «ماروداي» بملايين الين. في الوقت الذي بدأت فيه الشركة تجني ثمار جهود خفض التكاليف - مثل التحول إلى مزودي طاقة بديلين - واجهت ارتفاعاً في الأسعار ناجمًا عن حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.وقال تيرادا: «من الصعب تحميل تكاليف الكهرباء والعمالة على أسعار المنتجات. وحتى لو قمنا بتحسين الكفاءة من خلال تقليل عدد المنشورات الإعلانية المطبوعة أو إدخال أنظمة الدفع الذاتي، فإن حجم التوفير الممكن يظل محدوداً. ونظراً لأن شريحة كبيرة من عملائنا هم من المتقاعدين، فإننا لا نلمس انعكاساً لارتفاع الأجور في زيادة المبيعات. أشعر أن الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية تزداد اتساعاً ووضوحاً».تأجيل التطبيقغير أن شركة «ماروداي» تنفست الصعداء عندما قرر المجلس الاستشاري في محافظة «أكيتا» تأجيل تطبيق الحد الأدنى الجديد للأجور - الذي عادة ما يُطبق في شهر أكتوبر - لمدة ستة أشهر تقريباً، ليصبح موعد التنفيذ في 31 مارس. وأشار تيرادا إلى أن هذا التأجيل أدى إلى توفير في التكاليف بقيمة 10 ملايين ين أو أكثر.أخذ المجلس في الاعتبار التأثير على الشركات الصغيرة والمتوسطة؛ إذ تؤثر زيادات الحد الأدنى للأجور بشكل كبير على تكاليف العمالة لدى الشركات، مما يثير غالباً معارضة من أصحاب الأعمال. ونتيجة لذلك، أصبح تاريخ بدء التطبيق ورقة مساومة.في السنة المالية 2024، حددت 46 محافظة - باستثناء محافظة توكوشيما التي استغرقت فيها المداولات وقتاً أطول - شهر أكتوبر موعداً لبدء التطبيق. وفي المقابل، طبقت 20 محافظة فقط الزيادة في شهر أكتوبر خلال السنة المالية الماضية، بينما طبقتها 27 محافظة في شهر نوفمبر أو بعد ذلك، حيث أرجأت ست منها موعد التطبيق إلى العام الحالي.