سالم الجنيبي: «الغاليريهات» لا تهتم إلا بالأسماء الكبيرة

تُعد صالات العرض (الغاليريهات) أحد أكبر التحديات التي تواجه الفنانين التشكيليين، خاصة فئة المبدعين الجدد والشباب، أو الذين لم ينالوا شهرة كافية؛ إذ إن معظم هذه القاعات الكبرى تميل إلى التركيز على الأسماء العالمية والعربية بهدف الفن التجاري المربح، أو الشخصيات المحلية التي نالت شهرة واسعة، الأمر الذي يظهر أن الأبواب تبدو مغلقة أمام الفنانين الصاعدين، مما يؤثر سلباً -إلى حد كبير- على الحراك التشكيلي والفني، ويؤخر من عملية أن تصبح الفنون جزءاً من الحياة اليومية عبر ارتفاع الوعي بها، إذ لا توجد مساحات لإبراز إبداعات الشباب إلا من خلال جهود تبذلها بعض المؤسسات مثل جمعية التشكيليين وجهات أخرى.يعد الفنان سالم الجنيبي أحد أبرز الأسماء التشكيلية في فضاء الفنون الإماراتية، فقد تولى في وقت سابق رئاسة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وهو المؤسس والرئيس التنفيذي لـ(مؤسسة التفكير فنياً)، ومدير (مجلة التشكيل)، والمؤسس والرئيس التنفيذي لمركز (أسوار للفنون)؛ مما يعني أن للرجل اهتماماً بقضية المعارض وصالات العرض، وهو يتحدث في هذه المساحة باحثاً عن أفق جديد يمكن من خلاله أن ترى إبداعات الشباب والأجيال الجديدة من الفنانين التشكيليين النور.في المستهل، يقر الجنيبي بأن الغاليريهات الكبرى تبحث بالفعل عن الأسماء اللامعة، خاصة العالمية من الفنانين البارزين، وتقلل من فرص الهواة والشباب؛ إذ إن هذا الواقع يرتبط بطبيعة اقتصاد الفن الذي تمارسه بعض الصالات التي تمنح الأولوية للأسماء ذات الحضور السوقي، دون الانتباه إلى عملية مهمة وضرورية وهي الاستثمار في الفنان نفسه، عبر بناء المعرفة الفنية، والتوثيق، والتعليم، وإتاحة فرص العرض ضمن سياق تطويري طويل الأمد، وهذا أمر غير موجود إلا لدى بعض المؤسسات التي بدأت تظهر حديثاً وتولي عناية خاصة بهذه العملية ذات الأثر الكبير في الحركة التشكيلية، وعلى مستوى رفع الذائقة والوعي الفني؛ فالتجربة العالمية تؤكد أن قوة المشهد لا تقاس بالمبيعات فقط، بل بقدرة المؤسسات على صناعة أجيال جديدة من الفنانين، وهو ما يتطلب مسارات داعمة تتجاوز منطق السوق إلى منطق بناء الثقافة.رسوم باهظةحول واقع فرض بعض الصالات رسوماً باهظة لتأجير المساحات، وهو ما يشكل عبئاً مالياً كبيراً، يشير الجنيبي إلى ضرورة مواجهة هذا التحدي عبر بناء بدائل ثقافية مستدامة، تقوم على دعم الفنان قبل العائد الاقتصادي المباشر. وبالفعل، فإن هناك مراكز صارت تقدم نموذجاً يعتمد على توفير منصات عرض، وبرامج تدريب، وورش عمل، وشراكات، والعمل على توسيع التعاون بين المؤسسات الثقافية، والجامعات، والقطاع الخاص؛ وذلك بهدف خلق بيئة متوازنة تجعل الإبداع مركز العملية الثقافية، وليس السعي نحو الربح فقط. فمثل هذه المواجهة تصنع واقعاً جديداً وتخلق زخماً كبيراً، بحيث يصبح هناك أكثر من مركز يهتم بالفنون التشكيلية، وعرض الأعمال، وتشجيع المواهب.منطق السوقفي معرض إجابته عن سؤال يخص مخاطبة بعض صالات العرض لشريحة معينة من النخبة وجامعي التحف، بما يعيق وصول الفنان التشكيلي الشاب إلى الجمهور العام، أكد الجنيبي صحة هذا الأمر؛ موضِّحاً أن المشهد الفني يتكون من مستويات متعددة، منها ما يرتبط بسوق الاقتناء، ومنها ما يتصل بالتفاعل المجتمعي والثقافي، فالواقع يشير إلى أن الفن لا يكتمل في السوق فحسب، بل في قدرته على بناء الحوار ونشر المعرفة والوعي العام، لذا لا بد للمراكز والمؤسسات من العمل على فتح قنوات تواصل بين الفنان والجمهور عبر المعارض المفتوحة، وورش العمل، والحوارات الفكرية، والبرامج التعليمية؛ بما يوسع دائرة التلقي ويعيد للفن موقعه كأداة ثقافية جامعة.ويشدد الجنيبي على أن التركيز على الربح هو أهم أسباب مخاطبة الغاليريهات لشرائح بعينها؛ فبعض الصالات تبحث عن المشترين الأثرياء فقط، والأسعار المرتفعة تجعل الأعمال الفنية بعيدة عن متناول الشخص العادي، مما يؤدي إلى تغييبه عن مجتمع الفنون، كما أن الأجواء النخبوية تشعر الجمهور العام والفنانين الجدد بأن هذه الأماكن لا ترحِّب بهم، وينتج عن هذا الواقع عزلة سلبية للفنانين؛ إذ يظل إبداعهم محصوراً داخل غرف مغلقة ومجموعات خاصة، فضلاً عن حرمان المجتمع الذي يفقد فرصة التمتع بالفن وتطوير ذوقه البصري، مما يقلل من التفاعل المباشر بين الناس والحركة الفنية.ويرى الجنيبي ضرورة مواجهة هذا الواقع عبر الابتكار والتوسع في أساليب العرض، كالاعتماد على المعارض المفتوحة، وتأسيس مراكز متخصصة تعكس حيوية المشهد الفني الإماراتي، كما يؤكد أهمية الجوائز التشجيعية، وتنظيم الندوات الفكرية التي تربط الفن بسياقه المعرفي والنقدي؛ إذ لا بد أن تمتلك هذه المراكز والمؤسسات الفنية رؤية عميقة بوصفها منصات داعمة للمواهب الشابة.