على ارتفاع 27 متراً، وبين الرياح والأمطار واهتزاز الرافعة، أمضى خمسة فنانين سبعة أيام في رسم جدارية «سادن النور» في حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية. تروي الفنانة فاطمة الشامي كواليس إنجاز بورتريه الشهيد السيّد حسن نصر الله، من صعوبة ضبط الملامح والألوان إلى العمل الجماعي، في موقع لا تزال آثار الدمار حاضرة فيه
أمام واجهة ترتفع نحو سبعة وعشرين متراً، تصبح للفرشاة حسابات مختلفة. كلّ لون ينبغي أن يصعد معنا، وكلّ أداة ننساها تستدعي رحلة نزول طويلة. وأمام وجه يمتدّ على واجهة بناية كاملة، نحتاج إلى الابتعاد مراراً كي نرى ما ترسمه أيدينا من قرب. هكذا مضت سبعة أيام من العمل على بورتريه السيّد حسن نصر الله في جدارية «سادن النور»، في حارة حريك، عند شارع الاستهداف، حيث يجاور الرسم آثار الدمار.
أُنجزت الجدارية في أيلول (سبتمبر) 2026، في الذكرى الثانية لاستشهاده، على مساحة تقارب 27 متراً عرضاً و27 متراً ارتفاعاً. تولّت مؤسسة حفظ ونشر تراث السيّد تنظيم المشروع وتغطية تكاليفه، واختارت له اسم «سادن النور». وشارك في رسم البورتريه كلّ من فاطمة الشامي، وزينب سبيتي، وأسرار حمية، وهدى دعبول، وحسن فنيش، ثمّ تلا ذلك تنفيذ المخطوطة على يد الخطّاط الحاج أيمن جابر.
(تصوير: حسن فنيش)
نحن الفنّانات الأربع خريجات الفنون التشكيلية في الجامعة اللبنانية، وقد جمعتنا الدراسة قبل أن تجمعنا الجدران. عملنا على تصميم الجدارية معاً، وكان لزينب سبيتي دور بارز في بلورة التصميم. لم تكن هذه تجربتنا الأولى في العمل المشترك؛ ففي عام 2023، نفّذنا، برفقة حسن فنيش، رسمة على الجدار الفاصل بين لبنان وفلسطين، عند الحدود. حملنا من تلك التجربة معرفةً بإيقاع العمل معًا، وبالطريقة التي تتكامل بها أيدينا على مساحة واحدة، ورافقتنا هذه المعرفة ونحن نواجه جدارًا آخر، بحجمٍ ومسؤوليةٍ مختلفَين.
كانت أولى الصعوبات نقل التصميم إلى الواجهة. فرض حجم الجدار وضع جهاز العرض على مسافة بعيدة، ففقدت الصورة المسقطة كثيراً من وضوحها، ما جعل تتبّع الخطوط الأولية أكثر صعوبة. ومع بدء التلوين، تبيّن أنّ بعض النسب يحتاج إلى تصحيح، خصوصاً في منطقة العينين. عدنا إلى الرسم، وعدّلنا الملامح، مستندين إلى المراقبة المستمرّة والمقارنة بالصورة المرجعية.
في البورتريه، قد يغيّر انحراف صغير في العين تعبير الوجه كلّه. وعلى واجهة بهذا الاتساع، لا تستطيع العين القريبة من الجدار أن تحكم وحدها على النتيجة. لذلك، كنّا نطلب من مشغّلي الرافعة إبعادنا عن الواجهة بين حين وآخر، لنرى التكوين كاملاً، ثمّ نعود إلى موضع العمل لتصحيح تفصيل أو تعديل مساحة لونية.
(تصوير: حسن فنيش)
فرض الارتفاع بدوره نظاماً دقيقاً. كنّا نعمل نحو ثماني ساعات يوميّاً، ونصعد أحياناً معاً وأحياناً اثنين اثنين، بحسب المرحلة وحاجة العمل. وقبل كلّ صعود، كان علينا التأكّد من وجود الألوان والفراشي وسائر الأدوات. ما يسهل تداركه بخطوات قليلة على الأرض، يصبح على هذا الارتفاع وقتاً وجهداً إضافيّين.
وزاد الطقس المتقلّب صعوبة التنفيذ. كانت الأمطار تضطرّنا إلى النزول، فيما تتسبّب الرياح في اهتزاز سلّة الرافعة. وبين حركة المنصّة والحاجة إلى ضبط تشريح الوجه، كان التركيز يتطلّب جهداً مضاعفاً. تعلّمنا خلال تلك الأيام كم تختلف ممارسة الرسم من سلّة رافعة معلّقة عن العمل أمام لوحة على الأرض.
وكان للمكان ثقله الخاص أيضاً. تحتنا آثار بناية مدمّرة، وحولنا مشهد يحمل أثر الاستهداف. لم يكن ممكناً فصل ما نرسمه عمّا نراه أسفلنا. ظلّ يرافقني طوال العمل إدراك أنّنا نرسم هذا الوجه في المكان الذي اغتالت فيه أعتى الطائرات جسدَه، وبقي حضورُه عصيّاً على الغياب. وكانت الملامح التي نراقبها لساعات تحمل لكلّ واحدة منّا ذاكرة ومشاعر يصعب اختصارها.حين اكتمل العمل، شعرت بالحمد والشكر، وبالامتنان للفريق الذي حمل هذه المسؤولية معاً. وراء الصورة التي تُرى اليوم من بعيد، سبعة أيام من رسم البورتريه، تليها أيام المخطوطة، وساعات من التحضير والمراجعة، ومحاولات وتصحيحات لا تظهر في النتيجة النهائية.أُهدي السيّد، بعد كثيرٍ من الشوق، هذه الكلمات:ليتَ يديَّ رسمتاكَ وأنتَ حيٌّ،وليتَ عينيَّ أبصرتاكَ، لا رسمَكَ،وليتَ الجداريّةَ كانت في محضركَ،فأنتَ الحضورُ، كلُّ الحضورِ، حتّى المماتِ.
* إحدى المشاركات في رسم الجدارية