تحمل زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة ولقاؤه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء- حفظه الله- دلالات سياسية تتجاوز الطابع الثنائي للعلاقات السعودية العُمانية ، لتلامس ملفات الأمن الإقليمي والاستقرار الخليجي وحماية الممرات البحرية وتعزيز التعاون الاقتصادي بين بلدين يرتبطان بعلاقات تاريخية راسخة ورؤية متقاربة تجاه كثير من قضايا المنطقة. وتأتي الزيارة في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات متسارعة وتطورات أمنية وسياسية متلاحقة تفرض مستوى مرتفعاً من التنسيق بين دول الخليج العربي وتمنح العلاقات السعودية العُمانية أهمية إضافية بحكم موقع البلدين ودورهما في دعم الاستقرار والتعامل مع الأزمات الإقليمية من خلال الحوار والدبلوماسية والتمسك بمبادئ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.العلاقة بين الرياض ومسقط تقوم على أساس تاريخي متين تجاوز تغيرات الظروف الإقليمية والدولية وظلت الاتصالات بين القيادتين تحمل طابعا مستقرا يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والنظر إلى أمن الخليج باعتباره منظومة مترابطة لا تنفصل فيها المصالح الوطنية عن الأمن الإقليمي ويبرز اختيار السلطان هيثم بن طارق المملكة وجهة لأول زيارة رسمية له خارج سلطنة عُمان في يوليو 2021 دلالة واضحة على المكانة التي تحظى بها المملكة لدى القيادة العُمانية وعلى عمق العلاقات بين البلدين. الزيارة التي جاءت تلبية لدعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز-حفظه الله -شكلت محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية وأسست لمرحلة أكثر تنظيما في العمل المشترك خصوصاً مع الإعلان عن إنشاء مجلس التنسيق السعودي العُماني. التقارب بين البلدين يساعد على خفض التوترات الأقليمية هذا المجلس يمثل أحد أبرز الأطر المؤسسية التي انتقلت بالعلاقات من مستوى التنسيق التقليدي إلى مسار أكثر شمولاً يقوم على برامج ومبادرات محددة ويستهدف تطوير التعاون في المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والتنموية والبشرية. ومجلس التنسيق السعودي العُماني يعكس رغبة القيادتين في بناء رؤية مشتركة للعلاقات الثنائية وتحويل الإمكانات المتاحة لدى البلدين إلى مشاريع عملية وشراكات طويلة الأمد. وشهدت مسيرة المجلس تطورا ملحوظا منذ تأسيسه فقد شهد اجتماعه الثاني الذي عقد في محافظة العُلا عام 2024 إطلاق النسخة الأولى من مبادرات اللجان المنبثقة عنه والتي بلغت 55 مبادرة شملت مجالات متعددة تعكس اتساع نطاق التعاون بين البلدين.وفي الاجتماع الثالث للمجلس الذي عقد في مسقط عام 2025 انتقلت الشراكة إلى مرحلة جديدة مع إطلاق مبادرات المرحلة الثانية من التكامل الصناعي بين البلدين وتدشين المنصة الإلكترونية للمجلس بما يسهل متابعة تنفيذ الأعمال والمبادرات والاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين الجانبين. هذه الخطوات تكشف طبيعة التحول الذي تشهده العلاقات السعودية العُمانية فالمسألة لم تعد مقتصرة على تبادل الزيارات والاتصالات السياسية بل أصبحت ترتكز على منظومة مؤسسية تتابع الملفات المشتركة وتقيس مستوى التنفيذ وتبحث عن مجالات جديدة للتعاون. البعد السياسي والأمني تتقارب مواقف البلدين تجاه أهمية تسوية الأزمات الإقليمية بالوسائل السلمية وفتح قنوات الحوار ورفض الحلول التي تزيد من حدة التوتر أو تهدد أمن الدول واستقرارها. هذا التقارب يمنح التنسيق السعودي العُماني قيمة خاصة في البيئة الخليجية التي تتأثر بصورة مباشرة بالتطورات المحيطة بها. المملكة تضطلع بدور إقليمي واسع في دعم الاستقرار والتعامل مع الأزمات فيما تتمتع سلطنة عُمان بخبرة طويلة في التواصل الدبلوماسي وفتح مسارات الحوار بين الأطراف المختلفة. والتقاء المقاربتين يتيح مساحة مهمة للتشاور حول الملفات الإقليمية ويعزز قدرة البلدين على دعم الحلول السياسية وتوفير الظروف التي تساعد على خفض التوترات. مبدأ احترام سيادة الدول وعدم المساس بوحدة أراضيها يمثل أحد الثوابت التي تلتقي عندها الرؤيتان السعودية والعُمانية هذا الموقف ينسجم مع الرؤية الخليجية التي ترى أن استقرار المنطقة يحتاج إلى منظومة علاقات تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام قواعد القانون الدولي وتسوية الخلافات بالحوار. وتزداد أهمية هذا التنسيق مع استمرار التوتر في عدد من الملفات الإقليمية وما يرتبط بها من مخاطر أمنية واقتصادية تمتد آثارها إلى دول الخليج والأسواق العالمية. أمن الممرات البحرية يبرز أمن الممرات البحرية في مقدمة الملفات التي تمنح الزيارة بعدا استراتيجيا إضافيا. ومضيق هرمز يمثل واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم نظرا إلى ارتباطه بحركة التجارة والطاقة العالمية. ويعتبر اضطراب في حركة الملاحة عبر المضيق لا يقتصر أثره على الدول المطلة عليه بل يمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. والمملكة وسلطنة عُمان تدركان حساسية الموقع البحري للمنطقة وأهمية المحافظة على حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية. الموقع الجغرافي سلطنة عُمان تمتلك موقعا جغرافيا استثنائيا على بحر العرب وبالقرب من مضيق هرمز فيما ترتبط المملكة بسواحل واسعة على البحر الأحمر والخليج العربيهذه الجغرافيا تجعل التعاون بين البلدين في قضايا الأمن البحري وحماية طرق التجارة مسألة ذات أهمية استراتيجية.والاستقرار البحري يرتبط مباشرة بأمن الاقتصاد العالمي واستمرار تدفق السلع والطاقة وحركة السفن التجارية.والتنسيق بين الرياض ومسقط في هذا الملف يكتسب أهمية أكبر مع التطورات المرتبطة بمضيق هرمز وما تشهده المنطقة من تصعيد وتوترات متكررة. والتعامل مع هذه التحديات يحتاج إلى رؤية خليجية متوازنة تضع حماية الملاحة الدولية في مقدمة الأولويات وتدعم خفض التصعيد وتجنب تحويل الممرات البحرية إلى ساحات للمواجهة. وتتصل هذه الرؤية بالدور الذي يضطلع به مجلس التعاون لدول الخليج العربية باعتباره ركيزة أساسية للأمن والاستقرار الإقليمي التعاون السعودي العُماني يسهم في تعزيز العمل الخليجي المشترك ورفع مستوى التنسيق بين دول المجلس في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاستقرار الإقليمي لا ينفصل عن الاستقرار الاقتصادي. العلاقات السعودية العُمانية شهدت خلال السنوات الماضية توسعا واضحا في الجانب التجاري والاستثماري مع توجه البلدين إلى توظيف الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي توفرها رؤية المملكة 2030 ورؤية عُمان 2040. هاتان الرؤيتان تلتقيان في عدد من المستهدفات المرتبطة بتنويع الاقتصاد وتوسيع قاعدة الإنتاج وتعزيز دور القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وتطوير القطاعات غير النفطية. المساحة المشتركة تفتح فرصاً واسعة أمام المستثمرين مجلس الأعمال السعودي العُماني يمثل إحدى الأدوات المهمة لتعزيز التواصل بين القطاع الخاص واستكشاف فرص الاستثمار وتوسيع حجم التبادل التجاري المجالات المتاحة لا تقتصر على التجارة التقليدية بل تشمل الصناعة والسياحة والخدمات والنقل واللوجستيات والطاقة والتعدين والأمن الغذائي وغيرها من القطاعات المرتبطة بالتحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة وسلطنة عُمان. ويعتبر التكامل الصناعي الذي دخل مرحلة جديدة من خلال مبادرات المرحلة الثانية يمثل مؤشرا على انتقال التعاون الاقتصادي إلى مستوى أكثر تقدماً التكامل الصناعي يعني الاستفادة من القدرات الإنتاجية وسلاسل الإمداد والموارد والخبرات في البلدين بما يرفع القدرة التنافسية للمشروعات المشتركة ويفتح المجال أمام منتجات جديدة وأسواق أوسع. فيما يعتبرالموقع الجغرافي بين البلدين يمنح هذا التعاون ميزة إضافية. كما تمثل المملكة سوقاً كبيرة ومركزاً اقتصاديا ولوجستياً مهما في المنطقة فيما تتمتع سلطنة عُمان بموقع بحري استراتيجي وموانئ تربط الخليج العربي بالمحيط الهندي والأسواق الآسيوية والأفريقية. منفذ الربع الخالي أختصر المسافات الربط بين الإمكانات السعودية والموقع البحري العُماني يمكن أن يدعم حركة التجارة ويعزز سلاسل الإمداد ويمنح القطاع الخاص فرصا جديدة للنمو. ويمثل منفذ الربع الخالي أحد أهم المشاريع التي ترجمت العلاقات الثنائية إلى واقع ملموس. وافتتاح المنفذ في عام 2021 اختصر مسافات الحركة البرية بين المملكة وسلطنة عُمان ورفع مستوى سهولة التنقل بين البلدين. والمشروع يحمل قيمة اقتصادية واجتماعية إلى جانب أهميته اللوجستية. ومنذ أكتوبر 2021 وحتى نهاية ديسمبر 2025 عبر المنفذ نحو 135 ألفا و900 مواطن سعودي وأكثر من 640 ألف مواطن عُماني إضافة إلى أكثر من 744 ألف عابر من جنسيات أخرى،هذه الأرقام تعكس حجم الأثر الذي أحدثه المشروع في حركة التنقل والتواصل بين البلدين. المنفذ يشكل بوابة برية استراتيجية يمكن أن تخدم التجارة والسياحة والاستثمار والنقل وسلاسل الإمداد وتدعم حركة القطاع الخاص بين الجانبين.وأهمية المشروع تتزايد مع توسع العلاقات الاقتصادية وارتفاع الحاجة إلى منافذ نقل متعددة تربط الأسواق الخليجية وتدعم حركة البضائع والأفراد.والجانب الاقتصادي للعلاقات السعودية العُمانية يرتبط أيضا بالشراكات التي تأسست من خلال أكثر من 70 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت مجالات سياسية واستثمارية وتجارية وسياحية وثقافية وخدمية.هذا العدد يعكس اتساع قاعدة التعاون وتنوعها ويؤكد أن العلاقات الثنائية أصبحت تشمل قطاعات متعددة تتطلب تنسيقاً مستمرا بين الوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص. الخطط التنموية في البلدين تتجه المرحلة المقبلة في العلاقات السعودية العُمانية نحو الانتقال من توقيع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى توسيع نطاق تنفيذ المشروعات واستثمار الفرص التي توفرها الخطط التنموية في البلدين بما يتطلب تسريع الإجراءات وتكاملها وتيسير حركة المستثمرين ورؤوس الأموال والسلع والخدمات وتستند هذه المرحلة إلى عناصر قوة راسخة تتمثل في التقارب السياسي الذي يوفر قاعدة مستقرة للعلاقات والموقع الجغرافي الذي يمنح البلدين أهمية استراتيجية والإمكانات الاقتصادية التي تفتح مجالات واسعة أمام الشراكات الاستثمارية إلى جانب الروابط التاريخية والاجتماعية التي تعزز التواصل بين الشعبين والإطار المؤسسي الذي يوفره مجلس التنسيق السعودي العُماني لمتابعة المبادرات وتطوير آليات العمل المشترك وهو ما يهيئ العلاقات بين الرياض ومسقط للانتقال إلى مستويات أوسع من التكامل والشراكة خلال السنوات المقبلة. الاستقرار السياسي يشكل أساساً للنمو زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى المملكة ولقاؤه سمو ولي العهد ،حفظه الله يكتسبان أهمية خاصة في هذا الوقت. والزيارة تمثل فرصة لمراجعة مسار العلاقات وتحديد الأولويات المقبلة وتعزيز التشاور بشأن الملفات الإقليمية والدولية. كما تحمل رسالة واضحة بشأن هذه الأرقام تعكس حجم الأثر الذي أحدثه المشروع في حركة التنقل والتواصل بين البلدين في مرحلة تحتاج فيها المنطقة إلى قدر أكبر من التنسيق الخليجي. السعودية وسلطنة عُمان تتحركان من منطلق إدراك مشترك بأن أمن الخليج لا يمكن فصله عن أمن المنطقة وأن الاستقرار السياسي يشكل أساساً للنمو الاقتصادي وأن حماية الممرات البحرية ضرورة للأمن الإقليمي والدولي. كما أن التعاون بين البلدين لا يقوم على ردود الفعل تجاه الأزمات بل يستند إلى رؤية تقوم على الحوار والتنسيق وبناء المصالح المشتركة، هذه المقاربة تمنح العلاقات السعودية العُمانية قدرة أكبر على الاستمرار في ظل المتغيرات الإقليمية.المملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ودور محوري في المنطقة وسلطنة عُمان بما تتمتع به من موقع استراتيجي وخبرة دبلوماسية ومساحة واسعة للتحرك السياسي يمثلان شريكين مهمين في دعم الاستقرار الخليجي.تعزيز هذه الشراكة يخدم مصالح البلدين ويدعم منظومة مجلس التعاون ويعزز قدرة دول الخليج على التعامل مع التحديات المحيطة بهاالمسار الذي قطعته العلاقات خلال السنوات الماضية يؤكد أن الشراكة السعودية العُمانية دخلت مرحلة مختلفة، مرحلة تقوم على المؤسسات والمبادرات والتكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي والأمني.ومن مجلس التنسيق إلى التكامل الصناعي ومن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى منفذ الربع الخالي ومن التشاور السياسي إلى التعاون في حماية الممرات البحرية تتشكل منظومة واسعة من المصالح المشتركة. هذه المنظومة تمنح زيارة سلطان عُمان للمملكة بعدا يتجاوز المناسبة السياسية إلى محطة جديدة في مسار العلاقات بين الرياض ومسقط. هذه محطة تضع استقرار المنطقة في مقدمة الأولويات وتدعم توسيع الشراكة الاقتصادية وتؤكد أن المصالح المشتركة قادرة على بناء علاقة أكثر تكاملاً واستدامة. وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة يبقى التنسيق السعودي العُماني أحد عناصر القوة في منظومة الأمن الخليجي. ويظل الحوار بين القيادتين عاملا أساسيا في دعم الاستقرار وتطوير الشراكات وتعزيز قدرة البلدين على التعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية. والعلاقات السعودية العُمانية تمتلك اليوم قاعدة سياسية واقتصادية ومؤسسية واسعة تؤهلها للانتقال إلى مستويات أكثر تقدما من التعاون. وتحمل زيارة السلطان هيثم بن طارق ولقاؤه سمو ولي العهد حفظه الله رسالة واضحة مفادها أن الرياض ومسقط تنظران إلى المستقبل بمنظور يقوم على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة والتنسيق المستمر والعمل على ترسيخ أمن الخليج واستقرار المنطقة.